كان أثيرًا عند أبيه الحكم، كثيرًا مما يظهر به من الحكم، أَشْبَهَ في حكمته المأمون، وفي حرمته هارون، وتطلب الكتب القديمة، وتطبب بها من عدوى الأفهام السقيمة، وطالع كتب الأوائل، وطالب بإقامة الدلائل، وبعث إلى العراق في طلب الكتب الحكمية، وغالى في أثمانها، ووالى في ذخائر البيوت استخراج جمانها، رغبةً في إقامة براهينها، وإدامة الوقوف على قوانينها، حتى نأى بها إلى الاندلس عن أوطانها. ورأى بالعقل أنه لا ينفذ إلا بسلطانها، فَغَلبَ بحججها القاطعة، وبلغ الغاية بأنوارها الساطعة.
وكان هو أول من أدخل الاندلس الحكمة بثها في أقطارها، وقد إليها بعثها حتى جاس خلال ديارها، فأعاد عصر الأوائل جديدا، وعصر الفضائل رأد ضحى قريبًا بعيدًا، بل زاد حتى سطا بارسطاطاليس، وفل افلاطون بجيش لا يفله الخميس، فما جاء معه أبقراط بقيراط، وبطل بطليموس فيما أحاط به علمًا وما لا أحاط، فذكت قريحته، وزَكت صيحته، وكان أبوه الحكم لما سمع كلامه في هذه الدقائق، وعرف مرامه في معرفته هذه الحقائق يتضاعف به سروره، ويتماثل لديه أموره، لهذا انتعش لديه حظه من خاطرِهِ، وجاد أفقه صوب ماطره، فكان لا يبرح يحبوه من الشكر بعاطرِهِ ويجلوه في حلل اغنته عنها قطره هذا … مع استقلال بجنوده صاب نوؤه، وأصاب شدد الظلام ضوؤه.
قال الرازي (٢): عبد الرحمن بن الحكم، أول من فخم الملك بالأندلس من
(١) انظر ترجمته في المغرب ١/ ٤٥ والبيان المغرب ٢/ ٨٢ وابن خلدون ٤/ ١٢٧ والنفح ١/ ٢٢٢، والحلة السيراء ص ٦١ وأخبار مجموعة ص ١٣٥ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٠٣ والوافي بالوفيات ١٨/ ١٤٠ وسير أعلام النبلاء ٨/ ٢٣١. (٢) الرازي، أحمد بن محمد بن موسى؛ اندلسي اصله من الري. له في اخبار ملوك الأندلس وغزواتهم كتاب كبير وألف في صفة قرطبة وخططها ومنازل العظماء بها كتابًا. وله كتاب في انساب مشاهير أهل الاندلس في خمسة مجلدات فخام. توفي سنة ٣٤٤ هـ انظرك جذوة المقتبس (رقم ١٧٥) والوافي بالوفيات ٨/ ١٧١ وبغية الملتمس (رقم ٣٣٠) وبغية الوعاة: ١٧٢.