وكان حمي الأنف عزمًا يتوقد صرامة، (إلي الابق غدا)(٣) لا يستسهل مراحه. لا يستلان له جانب ولا يستهان به الأدهياء أو مقانب، بصوارم فلَّلَتْ الصفوف (٤) ومكارم قللت الألوف. فما أتاه جَمْعُ عدو ولامال إلا فرّقَةُ. ولا قاواه جَلْدٌ وطيش ولا لبس الا مزَّقَهُ، وسعد جَدُّهُ المقبل، وصعد رفدة على الغمام المسيل: ولم يبق له معاند إلا احترق بنارِهِ أو صادف جدوله فغرق في تياره، في عدة نوب عدمت البصيرة فيها حذارها، ثم قدمت السهام لها إنذارها. ثم أقدمت السيوف وأبلت فيها أعذارها وخَفَقَتْ فيها أعلامها الأمويه، يرنّحها التأييد، ويصحبها النصر مستطيرًا من برق الحديد، في حروب منها ما باشَرَهُ، ومنها ما قعد عنه، وعُقِدَ له لواء لم يكن سواه ناشره، فما عادت عساكره إلا وقد شفت مناه، وكفت همة ما عناه، حتى أوْدَعَ بطون الثرى أعداءه، وودع القيام في استقى لمنابت الرماح أنداءه.
وصفا له الأندلس من شوائب الأعداد ونوائب الإعداد للأعداء. واستقر سريره لا يُقَلْقَل له إلا في دور ملكه مضجع، ولا يقلّب له إلا بين جواريه ذهاب أو مرجج، واستوفد اكرامه طوائف العلماء، واستبيح كرمه قرائح الشعراء، فغصت أبوابه بالوفود. وقصت أجنحة زوّراه وماقصها سوى الجود، وكان أوّل أموي باح في الأندلس بمكنون سِرِّهِ ومضمون ما كان يُلَجْلَجُ في فكره، ولم يخش دولة بني العباس أن ترمي إليه مدنها، أو ترسي عليه سفنها، وما راعَهُ سواد ذلك العلم، ولا أقْلَقَه تشكي ذلك الألم، ولا خاف أن يُصيبه من العراق سهم أصاب وراميه بذي سلم (٥) كل هذا مع
(١) الحكم الربضي ثالث سلاطين بني أمية انظر ترجمته في البيان والمغرب ٢/ ٧٠ والحلة السيراء وتاريخ ابن خلدون ٤/ ١٢٥ والنفح ١/ ٢١٩ والمغرب في حلى المغرب ١/ ٣٨ وأحبار مجموعة ص ١٢٤ وجدوة المقتبس ص ١٠ وكامل ابن الأثيره/ ١٠١. (٢) في الأصل: المرتضى، وهو تحريف والربضي نسبة إلى الربض محلة متصلة بقصره. خرج عليه أهلها. وأوقع بهم فقتلهم وهدم ديارهم ومساجدهم قسمي الحكم الربضي، وسيأتي ذكر ذلك. (٣) كذا في الأصل. (٤) في الأصل: فللت الصوف. (٥) تضمين لقول الشريف الرضي: سهم أصاب وراميه بذي سلم … من با العراق لقد أبعدت مرماك