بصيرة بالعواقب كأنما ناجته بما يكون، وسريرة لا تراقب إلا ما لم يألف من السكون، لكن الأقدار ما أسعفته بتمام هذا الأمل لا ولا كحلت له الأمر، ومن ذا الذي تمَّ أمره أو كمل.
وكان ذا دولة خدمتها الأكابر، وما منهم إلا من أغدق كرمه وشرق وغرب مدحه.
فمنهم عبد العزيز بن أبي عبدة (١) وفيه يقول بكر بن قيس: [من الطويل]
ألكني إلى عبد العزيز أخي النّدا … ثناء وقولًا قلته متعرقا
لعمري لنعم المستغاث وجدته … لدُنْ جئت صفرًا من المال مُمْلِقَا
لأضحى وزيرًا للخليفة حاجبًا … ترى رأيه إذا قال صدقا
فهذا يرى وجه النصيحة قوله … وهذا يرى وجه النصيحة موثقا
لفازت لبثوا حسان منه بسابقٍ … هنيئًا مريئًا أن يفوز ويسبقا
ومنهم: عبد الكريم (٢) بن مغيث، وهو الذي امن طليطلة، وبذله لأهلها مع القدرة من غير مسألة، إلا إنه اشترط عليهم شروطًا خافوا منها العنت لكتاب جاءه من الحكم جارية فيما احتكم، وفيه يقول غُرَيْب بن عبد الله: [من البسيط]
يا فارس الناس في الهيجا ومعقلهم … هناك ربك ما أعطى وأولاكا
حفظت في نسْلِهِ قيسًا وحطتهم … كأن قيسًا بنا إذ مات أو صاكا
إن كان سرّك ما جاء البريد به … فلا لعمر أبي ماسر ناداكا
بَلْ سرنا منك نعماء بدأت بها … ما كان ضرك لو أتممت نعماكا
وفي أيامه في سنة سبع وتسعين ومائة كانت الشدة التي عمت أرض الأندلس أجمعها ومات منها اكثر الخلق واجتاز بعضهم البحر إلى ارض العدوة لانتجاع خصبها وارتجاع ما فاتها بأرض الأندلس من جَدْبِها.
(١) هكذا ورد اسمه في المغرب ١/ ٤٤ وهو في المقتبس تحقيق د. محمود علي مكي) ص ١٦٨ عبد العزيز بن هاشم الملقب سُعاد قال ابن سعيد انه حجب للأمير عبد الرحمن بعد عبد الكريم بن عبد الواحد، وقال ابن حبان: إنه من وزرائه.
(٢) هو عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث من وزراء عبد الرحمن، دخل جده مغيث بن الحارث الاندلس مع طارق بن زياد وحجب ابوه عبد الواحد لعبد الرحمن الداخل ثم لهشام ابنه، رولي عبد الكريم كورة جيان وقاد يعض الغزوات وولي سرقسطه وتطيلة رشفه وغزا بلاد البه والبشكنس. وأخمد ثورة الربض سنة ٢٠٢ هـ توفي سنته ٢٠٩ هـ انظر الحلة السيراء ١/ ١٣٥ والبيان المغرب ٢/ ٤٨ والمغرب ١/ ٤٠، ٤٤، ٥٠.