خلفاء بني مروان، وكساه أبهة الجلالة للأعمال، واستوزر الأكفاء فعظم شأنه، وكاتبته ملوك البلاد، ثم شيَّد القصور واتخذ المصانع وجلب الماء.
وحكى معاوية بن هشام انه كان يتشبّه بالوليد بن عبد الملك في شرف نفسه وعلاء همته، وفخامة سلطانِهِ ودعةِ أيَّامِهِ، وما شاد من البناء، وشق من الأنهار، وغرس من الأشجار. وزاد في المسجد الجامع.
وفيه قال عبد الله بن الشمر. (١): [من الطويل]
بنى مسجدًا لم يُبْنَ في الأرض مثله … وهل مثله في حوزة الأرض مسجد
له عَمَدٌ حمر وخضر كأنّما … تلوح يواقيت بها وزبرجد
قال الرازي: وفي أيامه أحدث بقرطبة وغيرها من بلاد الأندلس الطرز لأنواع الكسوة والوطاء، واستنبطت فيها الأعمال. وتدرج فيها إلى التجويد في ذلك. وقال الرازي: وفيها اتخذت بقرطبة السكة، وقام فيها ضرب الدارهم، ولم يكن فيها دار ضرب منذ فتحها العرب. وإنما كانوا يتعاملون بما يُحمل إليهم من دراهم أهل المشرق.
قلت: وهذا أوان صارت الأندلس مصرًا، وصارت تُعد بستانًا وقصرًا، وبعد أن مَضَتْ برهة من الدهر لا يوصف إلا بأنه يُصفق في جنباتها النهر.
وكان عبد الرحمن أشم أقنى أعين، أسود العينين طوالًا ضخمًا. مسبلًا عظيم اللحية.
[٥] دولة ابنه محمد (٢) بن عبد الرحمن
وهي المتصرمة عن افتراق الجماعة المقسمة في آخرها بفراق الطاعة، المسلمة من يده إلى الإضاعة المحوّله لا إلى مَنْهَلٍ عذب.
المحوّله رداها لا بمنصل عضب، بل بنجوم النفاق بكل وجه، وعدم الوفاق على ماتكون به السرائر مرفهة لقضاء سبق علمه. لا لاقتضاء بسوء فعل إلا أنه قسمه، وقد كان ذا كرم، غمر اليدين، وهمم تسع صدر الفرقدين.
(١) عبد الله بن الشمر بن نمير القرطبي مضت ترجمته.
(٢) ولي سلطنة الاندلس سنة ٢٣٨ إلى سنة ٢٧٣ هـ. وانظر ترجمته وأخباره في المغرب ١/ ٥١ والبيان المغرب ٢/ ٩٦ والحلة السيراء ص ٦٤ وابن خلدون ٤/ ١٣٠ والنفح/ ١/ ٢٢٥ وأخبار مجموعة ص ١٤١ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٩٢ وجذوة المقتبس ص ١١.