أتاه نعي أخيه وهو غائب، ووافاه الطلب بالخلافة وهو آيب، فلما فشى في العسكر موت أخيه الذاهب، تفرقت أهواؤهم، وشقشقت أنوارهم، ورام كل منهم أمرًا قصيًا لم يدرك تمامه. وراض صعبًا أبيًا لم يملك زمامه، ولم يبق إلا من نزا به شيطانه، ونزل بداره سلطانه، ظنًا هَوَوْا في أوْدِيته، وحووا سوء الذكر في أنديته، حتى أشار عليه بعض نصحائه بعض برحائه ومواراة أخيه الهالك هناك واللحاق بقرطبة مُسرعًا، والسباق إليها قبل الا يجد موضعًا، فقال: هيهات أن أتدنس بهذه الدنية، أو أتلبس بقبح هذه المزيّة، ثم سار ومعه جثة أخيه على أناته واستقام أمره على هناته. ودخل قرطبة وصلى على أخيه بها، وأودع ذهبه المكنوز في تربها. ودَفَنَهُ في القصر بالروضة مقبرة الخلائف، مأثرة تلك اللطائف، ثم بويع البيعة التي استقامت له على ظَلَعِها، واستدامت على وَلَعِها، وأخَذَ في حَسْم أدواء الخلاف وحصد رؤوس منهم أيْنَعَتْ لقطاف (٢) وكان أمر الفتنة قد استحكم واستفحل داؤه فلم يُحْسَم. وكثرت على مثل أولئك وأشباههم، وكبرت منهم كلمة تخرج من أفواههم. فأعيا سُقْمُها الطبي المداوي، وأعدا فيها ذا الرشد الغاوي، ونبح في كل نائحة نابح … إلا أنه العاوي، ونضنض (٣) أفعى إلا أنه لا يدخل في سلّة الحاوي:
وذكر صاحب المقتبس عن الرازي عن أبيه قال: كانوا يعدون عبد الله من أصلح خلفاء بني أمية بالأندلس وأمثلهم طريقةً، وأتمَّهم معرفة وأمتنهم ديانةً، كان يتهجد بالليل، ويقوم ليالي شهر رمضان بالنافلة مع الأئمة المرتبين لها بالمسجد الجامع، وكانت نيته في ذلك نية المخبت (٤) الورع الراغب في الخير.
وحكي عن بعض الفتيان الخاصة: أنه كان كثير التلاوة للقرآن مثابرًا على درسه
(١) عبد الله بن محمد. ولي بعد أخيه وكان مولدة سنة ٢٣٠ هـ وفي أيامه امتلات الأندلس بالفتن وصار في كل جهة متغلّب إلى أن مات سنة ٣٠٠ هـ، وكان دينا ورعًا، فصيحًا يقول الشعر ويرويه انظر: جذوة المقتبس ص ١٢ وكامل ابن الأثير ٦/ ١٤٣ ونفح الطيب ١/ ١٦٦ واخبار مجموعة ص ١٥٠. (٢) تضمين لقول الحجاج لأهل العراق: إني لأرى رؤوسًا قد اينعت وحان قطافها. (٣) نضنضه: استخرجه شيئا فشيئًا. (٤) المخبت: الخاشع الورع.