أغمامة بين البوارق تهمعُ … أم شارق وسط الكتائب يَلْمَعُ
أم غرة القمر المنير يحفّها … زهر النجوم أم الهصور الأرْوَعُ
لا بل هو الملك الذي في درعه … ونجاده هذي الصفات الأربع
وتوفي الناصر عبد الرحمن في شهر رمضان سنة خمسين وثلثمائة.
[٩] دولة ابنه الحكم (١) المستنصر بن عبد الرحمن الناصر أبي العاص
وهو الحكم العادل، والعالم الذي لا تطاوله الجنادل. والكرم الذي لا يصغي إلى قول العاذل، ولا يبغي طاقة الباذل، نطق منذ كان صبيًا بالحكم وصدق. فكان في بيته يؤتي الحكم. ونفقت في أيامه سوق الفضائل، ووثقت بأنعامه الطائل. ولم يكن فيه عيب إلا قصر أيامه، وقصور مدته عن مرامه، وأهل الأندلس تعده من أصلح خلفائها، وأرجح أهل وفائه بها، ولم يكن من أهل الفضائل إلا من يزدلف إليه بما لديه، ويقرب كرمه السابغ عليه من يديه، وكان الناظر لا يكاد يرى إلا عالمًا ومعلمًا أو مقدمًا أو متقدمًا، وما بقي من رعاياه إلا من رعاه حرمه ودعاه كرمه، فلم يدع منهم إلا راضيًا عن زمانِهِ، أو قاضيًا له منه بأمانِهِ، ثم ما زال مزيدًا في الصلاح ومتجددًا به عموم الفلاح حتى أتاه اليقين وأراه موضعه في أماكن المتقين.
وأجرى مرّةً خيله للسباق. فأحرز قصباته وغبر في وجوه السباق فقال محمد بن حسين الطبني (٢): [من الرجز]
أعارض عجلان في البحر خَفَق
أم نَفَس الريح تجارى واستبق
أم الجياد أُحضرت بلا عنق
تطلب عند البعد ثارًا بحنق
(١) انظر ترجمته في المغرب في حلى المغرب ١/ ١٨٦ ونفح الطيب ١/ ١٨٠ وجذوة المقتبس ص ١٣ والبيان المغرب ٢/ ٢٤٨ والحلة السيراء ١٠١ وكامل ابن الأثير ٧/ ٨٣. (٢) محمد بن حسين التميمي الطبني، قدم الأندلس من طبنة في بلاد المغرب سنة ٣٣١ هـ وتولى الشرطة لبني عامر، وكان شاعرًا محسنًا أديبًا عالمًا بأخبار العرب وأنسابهم توفي سنة ٣٩٤ هـ، انظر: بغية الملتمس ص ٥٨ والجذوة ص ٤٧ والمغرب في حلى المغرب ١/ ٢٠٦.