للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعطل مقدام، وسيف جلاد، وطيف رعب تجنّه ضمائر بلاد، فلهذا قدح لهذا الراي زنده، وفتح الباب لمن جاء بعده، ولم يكن في سباقه من كشف هذا العطاء ولا كف عن ذروة السرير هذا الامتطاء. وإنما كان الواحد منهم وإن عظم شأنه وكرم سلطانه لا يزيد في التسمية على الأمير ولا يريد أكثر من هذا الخطاب المييز الممير، حتى اتخذها هذا الناصر عبد الرحمن عليهم علمًا، وأنطلق بها لسانًا وقلمًا، وتسيرها في الآفاق كلما، صيرها في الأندلس شبيهة بالعراق مثلما، وقد ترجم له صاحب المقتبس وقال:

ذكر الدلالة على عظم شأن الخليفة الناصر في سلطانه واجرائه على الايفاء على من تقدمه من الخلفاء، وجده في جمع الأموال. وبذله لها في ابتغاء دول الآمال. وتوسعه في الحال، وقسره لتعويض الأشياء. وتفخيمه لصنائع الميناء. وسد الفروج دون الأعداء، وتوقله لقلل الاعتداء.

وكان لا يهيب خطرًا يركبه، ولا يستكثر شيئًا يهبه، وبنى المباني العجيبة والمنارة البديعة، وشيّد الخلافة بقرطبة وعمل الناعورة المحكمة الصنعة، المضروب بها المثل، البيضاء والزهراء، وغير ذلك مما ذكره وفي منبرة هذه الناعورة قال أبو عثمان عبيد الله بن يحيى (١):

تبوأ بين الحزن والسهل منزلًا … بأفيح فضفاض البساط على النهر

تصعد في ساحته الخضر ماؤه … تصعّد أنفاس المتيم بالذكر

ترقى بها في الجو ثم تعيده … إلى مستقرّ الأرض ناعورة تجري

تُغرد تغريد الطيور وتارةً … ترجع ترجيع الأهازيج في الزمر

وكان ممدحًا، فمما قال فيه أبو عثمان هذا، وقد رآه في موقف حرب أبان فيه قمرًا من وجهه يغطى ضوء القمر ويُخفيه: [من الكامل]


(١) عبيد الله بن يحيى بن ادريس الوزير أبو عثمان وكان وافر الادب كثير الشعر جليلا في أيام الناصر عبد الرحمن.
انظر: جذوة المقتبس ص (٥٨٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>