للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الاندلس، مُصَمَّمًا كالمشير في العضب، مُتَمِّمًا رُقى ذلك الهضب، بِهِمَّةٍ لو قُذِفَ بها البحر لما عب زاخِرُه، أو الفلك لما دارت دوائره، وَوُجِدَ بالأفق الغربي مواليه، ومَنْ مَرَّ النسب العربي من يواليه، مَنْ صَدَمَ بهم صدور الخيل الشُرَّب حتى أدفأ صدور الرجال العُزَّب، واحتبى النصر تبرق أسِرَّتُه، وتُحدِق مِسَرَّتُه، وتعبق بأطراف الأسنة رائحته، وتعلق بأطراف الأعنّة بساتينه، واقتطع من المعمورة ذلك الاقليم الجليل، وصيَّره له دار خلافة طالت ذوائبها، وصالَتْ كتائبها، ودان له أهل تلك الجهة وذلت له مناكبها، وظلت تقدم لها منابرها، ويُعلن باسمه خاطبها خلافة ابتزها من بني العباس قهرًا بالأيد، وقسرًا بالكيد، ونصرًا لم تحتج الى سُلَّم ولم يحتج الى زيد ولا عمرو، أَخَذَهَا غَصْبًا من أفواههم الفاغرة، ونهبًا من أيديهم وأعناقهم صاغرة، بعزائم ما فلّت السيوف ضرابها، ولا ملَّتْ السيول غلابها، حتى اجتمعت له دائرتها، وارتفعت به نائرتها، وخَشَعَتْ الدولة العباسية خوفًا لا تهب الدولة الأموية وتثور ثائرتها.

وها أنا أذكر هذه الدولة ما زخر به في الاندلس بحرها، وفَخَرَ بما تحلّى بهِ مآثرهم نحرها، وأوّلها الباني لها وموج المنايا حولها متلاطم، وفوج الرزايا ببابها متزاحم المنقض بأفقها عقابه القشعم المنبت بأرضها شجاعه الأرقم.

هي:

[١] دولة عبد الرحمن (١) بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان

الداخل الحق المطرف رجل العالم وبطل بني آدم، خلص من لهوات


(١) عبد الرحمن الداخل، صقر قريش، أبو المطرف، ولد بالشام سنة ١١٣ هـ، هرب الى المغرب لما لج العباسيون بقتل الأمويين، وطلبه أمير افريقيا يوسف بن عبد الرحمن الفهري فانتقل الى مكناسة، ثم أقام بمنازل نفزاوة فكاتب الامويين بالاندلس ودعاهم الى نفسه وبعث إليهم بدلًا مولاه فأجابوه، وأرسلوا إليه مركبًا عاد به الى الاندلس سنة ١٣٨ هـ وانتقل الى اشبيلية ثم قرطبة فقاتله يوسف بن عبد الرحمن، فغلبه الداخل وقتله، استقر أمره في قرطبة فبني بها قصرًا ومساجد وخطب للمنصور مرة، ثم قطع الخطبة، وكان عبد الرحمن من رجال العالم حزمًا وعزمًا ودهاء وإقدامًا، توفي بقرطبة سنة ١٧٠ هـ. انظر: جذوة المقتبس ص ٨ وكامل ابن الاثير ٤/ ٣٦ والتنبيه والاشراف ص ٢٨٦ ونفح الطيب ١/ ١٥٥ والبيان المغرب ٥/ ٣٨ والحلة السيراء ص ٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>