للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القواضب وهفوات العدوّ المغاضب، وعبر الفرات يشقها عومًا بذراعه، ثم الفلاة يقطعها فردًا من أصحابه وأتباعِهِ، حتى أتى المغرب، وبَلَغَهُ اختلاف المضرية واليمانية بالأندلس، فبعث بدرًا مولاه ليستميل أي الفريقين والاه، فأتى اليمانية إثر نوبة كانت للمضريّة عليهم، فاستمالهم ووعدهم عنه ومنى آمالهم، ولما أراد الحرب عقد نقيبه عبد الله بن خالد لواءه، وكان أبوه خالد عقد لواء مروان بن الحكم يوم المرج (١) فكشف لأواءه، فتيمن بتلك النقيبة، ولهذا خص بعقد اللواء نقيبه، وخرج يوسف (٢) بن عبد الرحمن فيمن بقي من طاعتِهِ، ووقى باس التفرق من جماعته، وكان الزمان ربيعًا لرجاء إثر جدب ما مر النسيم على مخلصه، ولا رَمَّ شَعَثَ الناس إلا ما كل نَقْله، وسارا على نهر اشبيلية كل منهما على ضفة منه، ثم تقابلا مقابلة تكاد تكون اجتماعًا وتراسلًا لا لشيء إلا خداعًا، وكان ذلك يوم عرفة فبات يوسف بن عبد الرحمن همه ذبح الجزر ونهبة الطعام، وعبد الرحمن الداخل همه في تسوية الصفوف وإثارة القتام، فلما أصبح يوم الأضحى جازت خيل عبد الرحمن النهر، وجادت بالحديد مثقلة الظهر، وتناوش الفريقان الحرب يشبعون شعب رماحهم ويهيجون سَغَبَ صفاحهم، وكان عبد الرحمن على فرس سابق، فخاف أهل معسكره ان ينهزم (٣)، وجاء من كان له يتهم، وقالوا: شاب غر وتحته فرس يرمي به المرامي، نخاف إن عضتنا الحرب أن يطير عليه على بعض الموامي فلما نُميّ إليه هذا الخبر، استدعى بغلًا أشهب كان معه وركب عليه، لا يفارق موضعه فاطمأنوا الى الثبات، وارجحنوا كالجبال لولا الوثبات، فانهزم يوسف هزيمة لم ير بعدها جدًا مُقْبِلًا، ولا حَدًا إلا مفلَّلًا، وَدَخَل الداخل قرطبة، وحلّ بها صدر المرتبة، ثم كان آخر أمر يوسف بن عبد الرحمن مع عبد الرحمن إنه انتظم في جُنْدِهِ، وارتطم بالأرض خضوعًا تحت بنده.


(١) يريد وقعة مرج راهط التي كانت لمروان بن الحكم على الضحاك بن قيس سنة ٦٤ هـ، وقد مرّ ذكرها.
(٢) يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري، اختارته القبائل العربية بالاندلس بعد اضطراب أمر الامويين بعد مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وتفاقم الأمر بين المضرية واليمانية بافريقية والاندلس، فاستقر الرأي تقديمه باعتباره قرشيًا يجمع الكلمة الى أن تستقر الامور بالشام، واستمرت امارته الى سنة ١٣٨ هـ أي بعد ذهاب دولة الامويين ودخول عبد الرحمن الداخل، فحاربه يوسف فهزم واستولى عبد الرحمن على قرطبة، وبقي يوسف مترددًا في البلاد فقتله بعض أصحابه سنة ١٤٢ هـ. انظر: جذوة المقتبس ص ٨ وكامل ابن الاثير ٤/ ٣٦٤ والتنبيه والاشراف ص ٢٨٧.
(٣) في الاصل: لا ينهزم، وانظر الخبر في اخبار مجموعة في فتح الاندلس، وذكر امرائها ص ٨٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>