وبصيرة ثاقبة، وسريرة الله مراقبة، إلا أنها الأقدار لا تُعاند، والأسرار لا تبيد ذممها ولا تعاهد.
استخلف يوم مات أبوه. ودخل القصر على ملأ من الناس وحماء ممن يريد هدم ذلك الأساس. وقيل بل دخل متخفيًا، ثم أصبح على السرير جالسًا. ثم علا صهوة المنبر فارسًا، وتولى أخذ البيعة له ابن شهيد (١) لمشهدِهِ واستناب يده له عن يده، وقام لدية مؤمن (٢) ابن سعيد منشدًا: [من الطويل]
وزلزلها موت الإمام وفقده … فقال لها الله اسكني بمحمد
تهلل بطن الأرض لما ثوى بها … إمام الهدى الثاوي بها بطن ملحِدِ
ثم كان من أكثر القواد تأنيًا، وأوفر لما في النفوس تمنيًا، وصفا العيش في ظل خلافته. وكفى المسيء اعتذارًا فضل رأفته، وكان له في مدته الآثار الجملية والفتوح العظيمة، والعناية التامة بمصالح المسلمين والاهتمام بالثغور وحفظ الأطراف، والتحرز من قبل البحر.
قال الرازي: كان لا يجري في رتبة الوزارة جارية إلا عن معرفته.
قال: وهو الذي قسم مراتب أهل الخدمة، وأغلا رتبة الوزارة، ورجح اهل الشام على أهل الأندلس. وأعلا رتبة الوزراة منهم في الجلوس. انتهى كلامه.
قال صاحب المقتبس: وزاد في توسعة الجامع بقرطبة فقال العباس (٣) ابن فرناس: [من البسيط]
محمد خير مسترعى ومؤتمن … للمسلمين جميعًا حيثما كانوا
بني لهم مسجدًا جلت عجائبه … لولا السماء لما ضاهاه بنيان
(١) هو عيسى بن شهد صاحب عبد الرحمن ذكره ابن حيان في المقتبس قال نقلا عن ابن القوطية: لم يختلف أحد من شيوخ الأندلس في أنه ما خدم ملوك بني امية فيها أحد اكرم من عيسى بن شهيد عليه. ولا أكرم اصطناعًا ولا أرعى لذمة توفي سنة ٢٤٣ وانظ المغرب ١/ ٥٠. (٢) مؤمن بن سعيد بن ابراهيم بن قيس مولى الامير عبد الرحمن الداخل، شاعر، فحل من كبار شعراء قرطبة توفي في السجن سنة ٢٦٧ هـ. وكان كثير الهجاء حتى سمي بدعبل الاندلس. وانظر: المغرب ١/ ٢٣٣ وبغية الملتمس ص ٤٥٦ وجذوة المقتبس من ٣٣٠ ويتيمة الدهر ١/ ٣٧١ ونفح الطيب ٢/ ٢٥٥ و ٥/ ٣٦١. (٣) العباس بن فرناس التاكرني. وصف بأنه حكيم الاندلس، فيلسوف حاذق شاعر محسن، وعارف في علوم شتى، توفي سنة ٢٧٤ هـ. انظر: المغرب في حلى المغرب ١/ ٣٣٣ والجذوة ٣٠٠ واليتيمة ١/ ٣٦٨ وبغية الملتمس ص ٤١٨ واورد له المغربي في النفح شعرًا ١٠١.