ثم تخلى له أبوه الحكم عن النظر في أمور الخلافة، واراد أن يُخلى له قصر الامارة، فأبى ابن عبد الرحمن وقال: بل اكتفي بالقعود على باب السدة مقعد صاحب المدينة فاستحسن رأيه، وبدأ بتغيير المنكر، وأمر بهدم الفندق السلطاني المعد لبيع الخمور وسكن المومسات الخواطئ، فهدمت بنيته وصُبّت أشربته، وكُسرت آنيته، وخُليت من العواهر أفنيته، فضجّ الناس بالدعاء له، وعَلتْ أصواتهم حتى سمعها الحكم، فارتاع وسئل عما أوْجَبَ ضجيج الرعاع فلما أُعلم بما صنع ابنه سَكَنَ وقال هو أعلم بما صنع.
وتوفى الحكم يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين ومولده سنة أربع وخمسين ومائة، ومدة خلافته نحو ست وعشرين سنة وشهر ونصف شهر وسنه ثلاث وخمسون سنة وصلّى عليه ابن عبد الرحمن (وكان)(١) طوالًا أشم نحيفًا لا يخضب.