ودام في بَلَهْنيةٍ من الملك إلى أن ثارت إليه الثوائر. ودارت عليه الدوائر. وسار إلى مغالبته كل سائر، وطار لمواثبته في البر والبحر كل طائر. ولم يكفيه انفتاق الفتوق. وانبثاق البثوق واختلاف كلمة أهل ملكه حتى قصدته ملوك الكفار، وأجهدته بالنهود إلى الاسفار وما رُمي بأهل الصليب على انفرادهم حتى مني بالمجوس من أقصى بلادهم. وكان في هذه النوائب تارةً وتارة، ومرة ومرة، آونة حلاوة وآونة مرارة. وفي بعض غزواته التي أثخن فيها في أهل الخلاف، أمعن في زيادة الاختلاف، قال مؤمن بن (١) سعيد: [من البسيط]
دع اللهى يفتها محمدها … اسنى بني غالب وأمجدها
أشياع لب سنابل خشعتْ … أعناقها فالسيوف تحصدها
دانوا وهو وارد بهم … حياض حتف يعاف موردها
كعابد النار وهي تحرقُهُ … بُعدًا لمثواه حين يعيدها
ساؤوا ملوكًا هم لهم خَوَلٌ … وهل يسامي الملوك أعْبُدُها
أضحوا أحاديث للمواسم … عن ظبي السيوف استفاض مُسْنِدُها
وعارضه محمد بن عبد العزيز القيسي فقال: [من البسيط]
دع الوغى لم يزل محمدها … يوقد نيرانها ويخمدها
فليس تروى السيوف إن ظمئت … إلا إذا علّها محمدها
سيف هدى تشهد السيوف له … يوم الوغى أنه مهندها
تقيل في ظلّه المنون إذا … هاجرة الحرب مار موقدها
فتلك دار العدوّ خاليةً … أو حين نور الأنيس معهدها
أطفأ عنابسيفه فتنًا … أوقدها في البلاد أعبدها
ثم طغت الفتنة ومَرَدَ النفاق، وانبعث الفساد، ودبَّ الوهن في أقطار الدولة حتى وَهَتْ أركانها. وهَوَتْ أقمارها وعمي المبصر وصم السامع، وخرس الناطق، وعم الأندلس بلاء أطل سحابُهُ وعُظُمُ شتات لم يذير له امرؤ كيف ذهابه.
ثم توفي محمد بن عبد الرحمن ليلة الخميس لليلة بقيت من صفر سنة ثلاث
(١) مضت ترجمته.