فهزموا ثابتًا وقتلوا أصحابه، وتفرّق من بقي منهم عنه ومضى ثابت الى فلسطين واتبعه (أبو)(١) الورد ولحق ثابت بجبال الشراة (٢)، فظفرت به خيل لمروان قد كان وجهها مادةً لأبي الورد فأخذوه وأتوا به مروان وهو بدير أيوب، فقتله وأَفْلَتَ ابنه رفاعة.
ثم كانت من أحوال مروان المتناقضة وأموره المتعارضة، وخلافته المحلولة المعاقد، ومملكته المتجاذبة بأيدي الثوائر، وجنوده المختلفة الآراء، وبنوده المنكسة بالخذلان ما كان حتى ابتزّت منه الدولة العباسية الخلافة قهرًا بالسيف.
وحكى الحسن بن زيد بفرغانة قال: بَلَغَني أن مروان بن محمد مر على راهب في صومعةٍ وهو هارب من جيش أبي مسلم فأشرف عليه الراهب فسلم عليه، فقال له: يا راهب هل عندك علم بالزمان؟ قال: نعم، عندي من تلوّنه ألوان، قال: هل تبلغ الدنيا من الحر أن تجعله مملوكًا؟ قال: نعم، قال: كيف؟ قال: هل تحبها؟ قال: نعم، قال: فأنت مملوك لها، قال: فكيف السبيل الى العتق؟ قال: تبغضها والتخلي عنها، قال: هذا ما لا يكون قال الراهب: أما تخليها منك فسيكون، فبادر بالهرب منها قبل أن تبادرك، قال: هل تعرفني؟ قال: نعم، أنت ملك العرب مروان، تقتل في بلاد السودان، وتدفن بلا أكفان، ولولا أن الموت في طلبك لدللتك على موضع هربك.
قلت: ولمروان شعر يُروى منه (٣): [من الطويل]
وما زال يدعوني الى الصبر ما أرى … فأبى ويُدنيني الذي لك في صدري
سأبكيك لا مستبقيًا فيضَ عَبْرَةٍ … ولا طالبًا بالصبر عاقبة الصبر
ويقال: ان نقش خاتمه كان: رضيت بالله العظيم.
وقتل مروان بيوصير (٤)، وصار آخره الى ذلك المصير على ما هو ملمح، به في ترجمة أبي العباس السفاح، وملمع بخلوق دَمِهِ درع ذلك الصباح، وبهزيمة مروان على الزاب (٥) زال عن جمهور المعمور ميسم بني مروان، وطالما افْتَرَّ بدولتهم مَبْسَم الزمان، إلا انها الأيام لا يُطْمَئِنَّ الى خُداعها، ولا يوثق بعواري متاعها، لا تبقي أحدًا، ولا تثبت على حالة أبدًا، ومهما نَوَّلَتْ في اليوم سَلَبَتْ
(١) ابو: سقطت من الاصل. (٢) الشراة جبل مرتفع، وهو عن يسار عسفان (ياقوت - الشراة). (٣) البيتان من قطعة له في العقد الفريد ٥/ ٤٠٧ والبداية والنهاية ١٠/ ٤٧. (٤) بوصير، اسم لاربع قرى بمصر، وبوصير التي قتل بها مروان تسمى بوصر قوريدس (ياقوت. بوصير). (٥) معركة الزاب كانت على الزاب الاعلى بين الموصل وأربل (ياقوت - الزاب).