للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان مروان بن محمد رجل الدهر، إلا أنّه خانه، وبطل الكتيبة إلا أن الحظ ما أعانه، كان بالجزيرة ورعى كلأها، وهو بأطراف الأسنّة وبيل، وحمى ملأها وما لمدارج الرياح إليها سبيل، ثم كان بأرمينية يسد ثغرها وهو يَهْتِمُهُ، ويسد أمرها وهو يهدمه، ثم آب الى دمشق وفي ظنّه لم شعثها ويرم منتكثها، حتى تفرقت بها الآراء المجتمعة، وتمزقت الأمراء في طلب الدعة، وقوى هيج الرعايا للرعاع، وموج الثعالب الحقيرة لأكل السباع، وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكره شكره وقال: هو فحل القوم، وإنما غلبناه بالجد لا باليد.

وكان عبد الملك (١) بن صالح رجل بني العباس أمه أم ولد كانت لمروان بن محمد، ثم صارت الى صالح بن علي فولدت له عبد الملك، ويقال إنها حملت به من مروان وولدته على فراش صالح، فلما كان من توهم الرشيد منه ما كان، قال له يومًا كالمعير له: أنت لمروان لست لصالح، فقال: لا أبالي لأي الفحلين كنت، فلما غاب عنه قال الرشيد: لعمري إنه لا يبالي لأيهما كان.

وقدم مروان دمشق وقد تصرّمت فتنها، وتصررت بحمل الحقود إحنها، فهدأ به اضطرابها، وتألفت به بنو أمية وبدأ اقترابها، ولكن بعد دماء أطلها، ودماء ساوى بالقتلى مطلها، فلما ظن ان السيف له قد دوّخ، والمغير عليه قد نوّخ، واطمأن وساده القلق، وعفى بالمسالمة من جفنه الأرق، ثارت عليه من خراسان تلك الثائرة، وانقلبت عليه تلك الدائرة، وأظلّت عليه الرايات العباسية ليالي تُطلع بدورا، ولمم شبيبة تتلألأ لأنها الوجوه نورا، فتراكم بسواد الشعار العباسي السيل، وأدبر بياض العلم المرواني في النهار لإقبال الليل.

قال البلاذري (٢): أم مروان كردية، أَخَذَهَا أبوه من عسكر ابن الاشتر (٣)، وكان مروان بخيلًا، وبويع لأربع عشرة ليلة خَلَت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة، وكان أبيض أحمر أزرق أهدل الشفة لا يخضب، ولم يكن بالذاهب طولًا، وكنت إذا


(١) عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أبو عبد الرحمن، كان من رجال بني العباس وخطبائهم وفصحائهم وذوي الرأي فيهم، ولي المدينة والصوائف للرشيد والشام والجزيرة للامين، توفي سنة ١٩٦ هـ.
انظر: ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ١/ ٤٨ وفوات الوفيات ٢/ ٣٩٨ والوافي بالوفيات ٩/ ١٦٦ وله أخبار في تاريخ الطبري وكامل ابن الاثير.
(٢) انساب الاشراف ٧/ ٥٦١.
(٣) يريد به إبراهيم بن الاشتر، قائد جند مصعب، مضى خبره.

<<  <  ج: ص:  >  >>