للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السفاح، الداخرة لخوفها في قصوره تحت العمد والصفاح حتى هبت ريحها، وذهبت فيحها، وإنما كانت بقية من سعادتِهِ رُدَّت على الأعقاب، وردت ملابس الملك الجدد للأعقاب، حتى توقد جمرهم الخامد، وكان هشام فحل بني مروان عزمةً لا يفت في عضدها، وهمةً لا يفوت حصول مقصدها، ولقد كان المنصور على اتساع عِلْمِهِ، وإجماع الناس على حزمِهِ، يعظم شأن هشام إذا ذكره، وإذا ذُكر في مجلسِهِ شَكَرَه، ولا يكشف العوائد إلا من دواوينه، وثوقًا بضبطه، ووقوفًا على أمور الملك على شرطه، وجمع هشام من الأموال ما طاول جُدر الخزائن اعتلاء، وأخرج صدور البيوت إمتلاء، وأحوج الشمس ان يظهرها اجتلاء، إلا أنه كان مفرطًا في البخل، لو تخيل أن له شبيهًا في ضَنانِتِه يُخل، كانت يده مغلولة، ومدده كلها لا يُرى له فيها صرة محلولة، ما عرفت أنامِلُهُ يومًا بسطا، ولا نائله مكانًا إليه يتخطى، إلا أن رأيه كان يصيب المقاتل، ويصيد المخاتل، بتوفيق ما خانه منذ عاهده، ولا حلّ رأيه تأييده منذ عاقده، فما حال حائل بينه وبين من عائده، ولا حوّل حتى راجع ما أراده وعاوده.

وكانت خلفاء بني العباس تؤامر دواوينه وتداوم قوانينه، وثوقًا بحزمه الذي لم يكن فيه مطمع، وعزمه الذي ما رآه السيف إلا أوى إليه بالسجود أو انحنى ليركع.

قال البلاذري (١): كنيته أبو الوليد، وكان أحول بخيلًا، وأمه أم هشام بنت الوليد بن المغيرة (٢) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ويقال: عائشة بنت هشام ويقال: مريم بنت هشام، وكانت أمه حمقاء، وكانت تُثني الوسادة، ثم تركبها وتزجرها، فطلقها عبد الملك، وسار الى مصعب وهي حامل، فلما قتله بَلَغَهُ مولد هشام، فسماه منصورًا تفاؤلًا بذلك، وسمَّتْهُ أُمُّه هشامًا باسم أبيها، وولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب سنة اثنين وسبعين، وأَتَتْهُ الخلافة وهو بالزيتونة (٣)، ومات بالرصافة التي بقرب الرقة في شهر ربيع الآخر لست خَلَوْنَ منه سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه ابنه مسلمة وكانت خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر، ومات ليلة الاربعاء لسبع خَلَوْنَ من شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة وهو


(١) انساب الاشراف ٧/ ٣١٠.
(٢) كذا في الاصل، وفي الانساب: ام هشام واسمها فاطمة بنت هشام بن اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
(٣) الزيتونة: موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام، فلما عمر الرصافة انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات (ياقوت - الزيتونة).

<<  <  ج: ص:  >  >>