قاتلنا معك حتى لا نجد مقتلًا، والله لئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت، وإنما هي إحدى خصلتين، إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، وإما ان تأذن لنا فنخرج، فقال له رجل: اكتب الى عبد الملك، قال: وكيف اكتب، من عبد الله أمير المؤمنين الى عبد الملك بن مروان، فوالله لا يقبل هذا أبدًا، أو اكتب لعبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، فوالله لئن تقع الخضراء على الغبراء أهون عليَّ من ذلك، فقال له عروة بن الزبير وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك إسوة، قال: ومن؟ قال: الحسن بن علي خَلَعَ نفسه وبايع معاوية، فرفع عبد الله رجله ورَكَضَهُ في رجله ركضة أرماه عن السرير، وقال: يا عروة قلبي إذن مثل قلبك، والله لو قلتها ما عشت إلا قليلًا، وقد أخذتني الدنيا، ولئن أضرب بسيف من عز خير من أن ألطم في ذلّ، فلما أصبح دَخَلَ على امرأته أم هاشم بنت منظور وهي التي يقول فيها الفرزدق إذ نافرته زوجته النوّار الى عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ونزلت زوجته النوار على بنت منظور بن زبان، فكان كلما أصلح حمزة من شأن الفرزدق عند أبيه نهارًا أَفْسَدَتْهُ زوجته ام هاشم ليلًا، حتى غلبته النوّار ففي ذلك يقول (١): [من البسيط]
أما البنون فلم تقبل شفاعتهم … وشفّعت بنت منظورين زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرًا … مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فلما دَخَلَ ابن الزبير على أم هاشم قال لها: اصنعي لي طعامًا، فلما صَنَعَتْ له ذلك أخَذَ منه لقمة فلاكها، ثم لفظها، وقال: اسقوني لبنا، ثم اغتسل وتحنط، وتطيب، ثم أتى أُمه اسماء ذات النطاقين، فقال: ما ترين يا أماه؟ فقد خذلني الناس، فقالت: لا يلعب بك صبيان بني أمية، عِش كريمًا، ومُتْ كريمًا، قال لها: إني أخشى أن يُمثل بي بعد الموت، فقالت: إن الشاة لا تألم بالسلخ بعد الذبح، فقبل بين عينيها وودعها، وخرج، وأسند ظهره الى الكعبة، وجعل يقاتل، فلا يؤم جمعًا إلا هذه، فقال رجل شامي اسمه حلبوب اما يمكنكم أخذه إذا ولى؟ قيل له: فخذه أنت إذا ولى، قال: نعم، وهو يريد أن يحتضنه من خَلْفِهِ، فعطف عليه فقطع ذراعيه، فصاح، فقال: اصبر حلبوب (٢)، ثم جعل يقول:[من الرجز]
(١) البيتان اخل بهما الديوان وهما والخبر في أنساب الاشراف ٦/ ٢٢. (٢) في انساب الاشراف ٦/ ٢٢٩: وضرب آخر وكان حبشيًا فقطع يده وقال: اصبر أبا حممة اصبر ابن حام.