ماذا؟ قال: ثم تكون فتنة تتشعب بقوم حتى يفضي الأمر الى رجل أعرفه بعينه، يبيع الدار الآخرة الدائمة بحظ من الدنيا مخسوس، فيجتمع عليه من آلك وليس منك، لا يزال لعدوّه قاهرًا، وعلى مَنْ ناوأه ظاهرًا، ويكون له قرين أمين مبين، قال: أفتعرفه إن رأيته؟ قال: أشدّ ما، فأراه من بني أمية بالشام، قال: ما أراه ها هنا، فوجهه الى المدينة مع ثقاة من قومه، فبينما هو يمشي في أزقة المدينة إذ رأى عبد الملك يلعب بطائر على يده، فقال: ها هو ذا، ثم صاح به: أبو مَنْ؟ فقال: أبو الوليد، فقال: يا أبا الوليد بشرتك ببشارة تسرّك، ما/ يكون لي عندك؟ فقال: وما مقدارها حتى أرى مقدارها من الجعل، قال: أن تملك الأرض، قال: ما لي من مال، ولكن أرأيت ان تكلفتُ لك جعلًا أتاني ذلك قبل وقته؟ قال: لا، قال: إن حرمتك أيؤخر ذلك عن وقته؟ قال: لا، قال: فحسبك، وكان عبد الملك من أكثر الناس علمًا وأبرعهم أدبًا وأحسنهم ديانةً في شبيبته، وكان يواظب المساجد حتى سمى حمامة المساجد، وكان لا يعيا بجواب إلا إن كلّم أخاه عبد العزيز (١).
حكي ان عبد الملك استقبل أخاه عبد العزيز حين رجع من مصر على ألف جمل، فقال له: على كم كانت البدأة؟ فقال: على مائة، فقال عبد الملك: ما عير أحق بأن يقال لها: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ (٢) من عيركم هذه، فقال له عبد العزيز: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣).
ويحكى عن عبد الملك انه لما أراد الخروج الى مصعب تعلّقت به عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وجعلت تبكي حتى بكى لبكائها حَشَمُها، فقال: قاتل الله كثيرًا، كان يرى موقفنا هذا حيث يقول (٤): [من الطويل]
ثم خرج يريد مصعبًا وكثير في موكبه، فقال: يا أبا جمعة، ذكرتك الساعة ببيتين من شعرك، فإن أصبتهما فلك حكمك، قال: نعم أردت الخروج فبكت عاتكة بنت يزيد وبكى حَشَمُها فذكرت قولي وأنشده البيتين، قال: نعم، وأعطاه ما طلب، ثم نظر إليه في عرض الناس مفكرًا، فقال: عليَّ بأبي جمعة، فجيء به، فقال: إن
(١) أبو الاصبغ، عبد العزيز بن مروان بن الحكم، كان جوادًا كريمًا ولي العهد بعد أخيه عبد الملك فمات قبله في مصر، وكان عبد الملك أراد خلعه وتولية الوليد ابنه فمات قبل ذلك، انظر انساب الاشراف ٥/ ٣٦٦. (٢) وسف: ٧٠. (٣) يوسف: ٧٧. (٤) الخبر والبيتان في الاخبار الموفقيات ص ٥٤٥، وهما في ديوان كثير (بيروت ٩٥) ص ٢٣١.