والغمد، لقد انضبتَ الثمد، وانضت بطلاب مثلها المهرية الأجد (١)، فيا لها فجيعة، ويالها من مصيبة وجيعة، لعمرو أبيه لقد نُبذ غير مليم، ولقد عكفت الطير منه على لحم كريم، وقد تقدم منه طرف في ذكره، وهذا الآن موضع شرحه، وسنذكر منه ما يزيد القلب قرحًا على قرحه، ويُتبعه وما اندمل الأول جرحًا على جرحه، وصفى الأمر ليزيد ليته لا صفا، واشتفى ليته لو كان أصبح على شفا، فكم أساء على قصر مدة أيامه مرة، وأذاب القلوب وأسال عن المدامع الحرّة، فأما كربلاء، فتلك كرب وبلاء، وبالطف ماطف، وكم بوارق بات يوقدها، وبوائق مات وهو يحقدها، هذا كله من وراء تخلّف لا كفاية، وتعسّف لا بدراية، كان يلعب بالنرد، وينادم القرد، ويشتري لهو الحديث بمال الله لا بمالِهِ، ويُسخط بعمله هذا وسائر أعماله، ودام على قبح فعلاته، وفضوح ضلالاته، حتى مات وليته لا ولد ولا عرف، فلا ذُمّ ولا حمد.
أتاه وهو بحوارين موت (٢) أبيه معاوية، فجاء وقد دفن فقال (٣): [من البسيط]
جاء البريد بقرطاس يخب به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم (٤)؟ … قال: الخليفة أمسى مثبتًا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأنّ أغْبَرَ من أركانها انقلعا
ثم ابتعثنا على خوص مُرمَّمَةٍ … نرمي الفجاج بها لا نأتلي سُوَعا
وما نبالي إذا بلَّغْنَ أَرْجُلَنا … ما مات منهن بالبيداء أو ظلعا
لما انتهينا وباب الدار منصفقٌ … لصوت رملة ريع القلب فانصدعا
ثم ارعوى القلب منّى بعد طيرته … والنفس تعلم ان قد اثبتت جَزَعا
أغر أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا
ثم صعد الضحاك (٥) بن قيس الفهري المنبر، وفي يده أكفان معاوية، فحمد الله
(١) الأجد: الناقة القوية المحكمة. (٢) في الأصل: من، والخبر في انساب الاشراف ٤/ ١٧٤ وتاريخ الطبري ٥/ ٣٢٨ وفيه: بوجع معاوية. (٣) الابيات في انساب الاشراف ٤/ ١٧٥ وتاريخ الطبري ٥/ ٣٢٨ والاغاني ١٦/ ٣٣ والمعمرون ١٥٧ والعقد الفريد ٤/ ٣٧٣. (٤) في المصادر الاخرى: كتابكم. (٥) الضحاك بن قيس الفهري القرشي شهد فتح دمشق وسكنها، وشهد صفين مع معاوية، ثم ولي لمعاوية الكوفة بعد موت زياد سنة ٥٣ هـ، ثم عاد الى دمشق، وقام بخلافة يزيد الى أن قدم دمشق، ثم =