[١٣٠] ديك الجنّ، عبد السلام بن رغبان المعروف بالحمصي (١)
ومن حمص منبع نبعته، ومطلع سمعته، وموضع مرتاده، ومضجع إنسان عينه قريرًا برقاده. كان إذا قيل: شاعر الشام لا يُراد غيره، ولا يستفاد إلا خيره. كان بيته للأضياف منتابًا، ورأيه إلا لمصادقة السيف مرتابًا. يوصف بأنه كان عنده سرعة طيش، وسعة وساوس لا يهنأ معها عيش، على ما هو سائر عن أهل حمص بناؤه، ساتر لجوهر تلك السيوف صداؤه، وهو ممن درج في عشها، وعرج إلى عرشها، وعرف من دارتها بدره اللائح، ومن دارتها عطره الفائح، ولم يكن من شعراء زمانه إلا من ينافسه في عزّه، ويناوئه ولا يُحسن أن يأتي بمثل طرزه. وكان له جارية وغلام لكل منهما من قلبه جانب لا يضيعه، وجالب يعصي ما سواه ويطيعه، لكنه كان بالجارية أعلق حبالًا، وأوثق خيالًا. كان بصائب هواها متبولًا، وبصارم ما تحويه مقلتاها مقتولًا، نفسه بناظرها، ويرهنه في أسار الهوى شغفًا بما في مآزرها، يصميه لحظها وهو يرى مصرعه، ويظميه رشف رضابها وهو لا يفارق مكرعه، لا يدع مشرعه، ولا يعد إلا كؤوسه الفضية بذائب العقيق مترعه، وكان قد أدبها ودأب حتى اجتنى من مجاني العود طربها، ثم ساء ظنًّا بها وبالغلام، ظنًّا أنه قد وشجت بينهما وشائج الغرام، وطرد الغلام إقصاء، ثم وكل بالجارية عينًا يحصي عليها ما ينكر منها إحصاء، فنقلت إليه تلك العين الصافية والدسيسة الخافية، إنها لا تزال باكية، ولا تبرح تئن حرقًا وما هي شاكية، فقويت لديه الريبة في أمرها حتى جزم، وقوت الغيرة عزيمته فعاجلها وما حزم، وإنما قتل نفسه بالبلوى وعجل لما لم يستدرك فارطه إلا بالشكوى، ثم كاد يسلب عقله
(١) ديك الجن، عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي، المعروف بديك الجن: (١٦١ - ٢٣٥ هـ) شاعر مجيد، فيه مجون، من شعراء العصر العباسي. سمي بديك الجن؛ لأن عينيه كانتا خضراوين. أصله من سلمية (قرب حماة) ومولده ووفاته بحمص (في سورية) لم يفارق بلاد الشام، ولم ينتجع بشعره. له «ديوان شعر» جمعه وحققه عبد المعين الملوحي ومحيي الدين الدرويش، ط حمص - سوريا ١٩٦٠ م، ومنه أفدنا. واستدرك عليه د. شاكر الفحام في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مج ٦٦ ع ٤ في ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م، وحوله كتب محمد يحيى زين العابدين في المجلة نفسها مج ٧٠ ع ٤ في ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م. مصادر ترجمته: وفيات الأعيان ١: ٢٩٣ الأعلام ٤/ ٥. معجم الشعراء للجبوري ٣/ ١٦٢ - ١٦٣.