نبعة من تلك السهام وواحد من أولئك السلف الكرام من بيت لا يدانيه عبد المدان. حمدوا بأوّلهم وآخرهم فهم بنو حمدان ولهم حمدان إن قالوا سكت الناس، وإن فعلوا تركوا الغمام مطرقًا لا يشتال له راس، وإن سالموا أمنت كل والدة على ولدها، وإن حاربوا جعلت عين الشمس غبار الخيل مكان أثمدها. ما نبا سيفهم ولا فل ناصرهم ولا امتازت أكابرهم على عظم ما بلغوا بما عجزت عنه أصاغرهم وهذا من فصحائهم إذا نطقوا وسمحائهم إذا أطلقوا له يد … عاملين وتروى ذابلين، وكلاهما غصن فيها وريق. وجار لا تقف الخواطر له في طريق. ومن جليل ما وهب هذا الذهب وهو قوله:[من الكامل]
أخا الفوارس لو شهدت مواقفي … والخيل من تحت العجاجة تنحط
لقرأت منها ما تخط يد الوَغَى … والبِيْضُ تشكل والأسنَّة تنقط
ومنه قوله:[من الوافر]
وقد علمت بما لاقته منا … قبائل يعرب وبنو نِزَارِ
لقيناهم بأرماح طوال … تبشِّرُهُم بأعمار قصار
وقيل له في علّته: مِمَّ تشكو فأشار إلى غلام له كالريم يعطو، وقال (٢): [من مخلع البسيط]
أَسْقَمَ هذا الغلام جسمي … بما بعينيهِ مِنْ سَقَامِ
فتور عينيه منْ دَلالٍ … أهدى فتورًا إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي … تمازج الماء بالمدام
قلت: تمازج الماء والمدام، ومن أحسن ما يضرب به المثل في الالتئام للماء شرف، وللمدامة ترف، إذا اجتمعا ولدا ما لا يولده أحدهما متى انفرد، وأورد العقل موارد يأسى لفقدها إذا ردّ وهذا شعر كله قلوب، ومهج عليه تذوب في كل لفظة جمال فاتن، وطرف فاتر ويقية خمر سائل، ونفثة سحر سائر.
* * *
الرابع عشر من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ولله الحمد والمنة وكان الفراغ من هذا السفر يوم السبت ١٨/ ٥٤٨ هـ. والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه.
(١) أورد صاحب يتيمة الدهر نماذج من شعره ١/ ١٠٤. انظر أيضًا: معجم الشعراء العباسيين لعفيف عبد الرحمن ص ٣٠٢. (٢) اسمه نسطوس.