للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جنونًا، ويكسب بعقارب الوساوس ظنونًا، فعكف على رثائها بأشعار تستبكي الجليد، وتستلين الحديد، ويعدي برقتها القلوب فتذوب، ويستسعد الحمام فيصدق في الحزن وهو كذوب. ومن مراثيه في جاريته التي سطا فيها على قلبه بيده، وقلع فيها عينه بتعمده قوله (١): [من الكامل]

يا طلعةً طلع الحمام عليها … وجنى لها ثمر الردى بيديها (٢)

رويت من دمها الثرى ولطالما … روى الهوى شفتي من شفتيها (٣)

مكَّنْتُ سيفي من مجال خناقها … ومدامعي تجري على خديها

فوحق نعليها وما وطيء الحصى … شيءٌ أعزّ عليَّ من نعليها

ما كان قَتْلِيها لأني لم أكن … أخشى إذا سقط الغبار عليها

لكن ضننتُ على العيون بحسنها … وأنفتُ من نظر العيون إليها (٤)

وقوله (٥) فيها: [من البسيط]

جاءت تزور فراشي بعدما قُبرت … فظلتُ ألثم نحرًا زانه الجيد (٦)

وقلتُ: قرة عيني قد بعثت لنا … فكيف ذا وطريق القبر مسدود (٧)

قالت: هناك عظامي فيه مودعة … تعيثُ فيها بنات الأرض والدود (٨)

وقوله (٩) فيها، وقيل إن هذه الأبيات في ولدها منه اسمه رعبان. [من الكامل]

بأبي نَبَذْتُكِ بالعراء المقفر … وسترتُ وجهك بالتراب الأعفر (١٠)


(١) القطعة في ديوانه ص ١١٢ - ١١٣ في ٦ أبيات.
(٢) المعنى: يا حبيبتي لقد غالك الموت وقطفت بيديك ثمره.
(٣) المعنى: هذا دمك أسلته على التراب فسال وروى ظمأه، وكم كان رضابك العذب يشفي شفتي الملتهبتين ويروي ظمأي.
(٤) المعنى: أقسم بنعليها ولم يمس التراب شيء أعزّ عليّ من هاتين النعلين، لقد كنت أحبها حبًا جمًا لم يحبه أحد من الناس ولقد كنت أخشى عليها حتى أن يزعجها لمس من الغبار ولكني مع ذلك قتلتها بيدي، قتلتها خشية أن تراها عيون الناس وأنا أضن بها على عيني وخشية أن يأخذها من يحسدني عليها وأنا أضنّ بها على نفسي.
(٥) القطعة في ديوانه ص ٣٦ في ٤ أبيات.
(٦) المعنى: جاءت إلي من القبر تزورني ففرحت بها وجعلت أقبل كل موضع في نحرها.
(٧) المعنى: وقلت لها مستغربًا: يا قرة العين والقلب كيف عدت إلى الحياة وكيف أتيت إلى زيارتنا وعلى قبرك سد من جندل وصفائح؟.
(٨) المعنى: قالت: لقد اشتقت إليك فتركت في القبر عظامي وجسدي وعدت إليك بروحي.
(٩) القطعة في ديوانه ص ٥٧ في ٣ أبيات.
(١٠) المعنى: ويح نفسي كيف تركنك وحيدة في الأرض الفضاء وكيف غطيت وجهك الجميل بالتراب؟

<<  <  ج: ص:  >  >>