للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المضاجع ليالي اشتغاله فأقضها، ودقَّتْ عليه المعالي أبكارًا فافتضها، فلم يستدر لثام عارضه، ولا تمت أيام رائضه، إلا وهي معنى الجملة، ورأس الأكابر الجلة، ثم لم يصد شيء عن حائمات الحمام، ولا رثاه إلى نائحات الحمام.

قال ابن أبي أصيبعة (١): لحق بأبيه في المعالجة، وشاع ذكره في الأندلس وغيرها، وعكف الأطباء على مصنفاته، ولم يكن في زمانه من يماثله في صفاته، وله حكايات كثيرة في حسن العلاج مما لم يسبق إلى مثله. وخدم الملثمين، وحصل من جهتهم النعم. وفي وقته الذي كان فيه دخل ابن تومرت الأندلس ومعه صاحبه عبد المؤمن فقرب ابن زهر هذا، واعتمد عليه في الطب وأناله فوق أمنيته، وله ألف الدرياق السبعيني، واختصره عشاريًا، ثم اختصره سباعيًا يعرف بدرياق الأنتلة. واحتاج عبد المؤمن إلى شرب دواء مسهل، وكان يكره الدواء، فعمد ابن زهر إلى كرمة في بستانه وجعل الماء الذي يسقيها به ماء قد أكسبه قوة الأدوية المسهلة التي أرادها لإسهاله، فطلع فيها العنب وفيه تلك القوى، فحمي عبد المؤمن، وأتاه بعنقود منها، وقال له كل منه وكان حسن الاعتقاد فيه، فلما أكل منه وهو ينظر إليه قال له: حسبك يا أمير المؤمنين فقد أكلت عشر حبات من العنب، وهي تخدمك عدد هذه الحبات مجالس فقام العدة التي ذكرها ووجد الراحة، واستحسن منه فعله وتزايدت به منزلته عنده.

وكان يجد في مروره إلى دار الخلافة مريضًا به قنية وقد كبر جوفه واصفر لونه فلما كان في بعض الأيام وقف عنده ونظر إليه فوجد عند رأسه ابريقًا عتيقًا يشرب منه الماء، فقال له: اكسر هذا الابريق فإنه سبب مرضك فقال له: لا بالله يا سيدي فإنه ما لي غيره، فأمر بعض خدمه بأن يكسره فكسره، فطلع منه ضفدع وقد كبر مما له فيه من طول الزمان، فقال له ابن زهر: خلصت يا هذا من المرض.

وحكى أنه كان بإشبيلية حكيم فاضل في الطب يعرف بالفار صنف كتابًا في الأدوية المفردة كان يرى ابن زهر كثيرًا يأكل التين الأخضر، وكان الفار لا يأكله إلا نادرًا فكان يقول لابن زهر: لا بد أن يعرض لك بمداومة أكل التين علة الثعلة وهي الدبيلة فقال له ابن زهر: وأنت لكثرة حميتك لا بد أن يعرض لك علة السيح، فلم يمت ابن زهر إلا بدبيلة في جنبه، ولا مات الفار إلا بعلة السيح.

قال: وكان ابن زهر يداوي دبيلته، فيقول له: لو زدت هذا الدواء كذا أو أبدلته بكذا أو عملت كذا فكان يقول له: يا بني إذا أراد الله تغيير هذه البنية لا يقدر لي أن أستعمل إلا ما تتم به مشيئته.

ومنهم:


(١) عيون الأنباء ٥١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>