خامل، وسماؤه عاطل، فلم ينشب أن طرأ على الأندلس وقد نشأ خلقًا جديدًا، وجرى إلى النباهة طلقًا بعيدًا، فتهادته الدول، وانتهت إليه التفاصيل والجمل، وكلما طرأ على ملك، فكأنّه معه ولد، وإياه قصد، فجرى مع كل أحد، وتمول في كل بلد، وتلوَّنَ في العلوم تلون الزمان، وتلاعب بالملوك بأفقنا تلاعب الرياح بالأغصان، حتى ظفر به ابن ذي النون، فشد عليه يد الضنين، فوجد كنفًا سهلًا، وسلطانًا غفلًا، فسر وساء، وارتسم في أي الدواوين شاء، وكان بالطب أكلف، وعليه أوقف، فتعلّق بسببه، حتى اشتهر به، وكان حسن البيان مليح المجلس، حاضر الجواب كثير النادر، رواية للشعر والمثل السائر، نسابة للمفاخر، عارفًا بالمثالب والمناقب وكان بالجملة روضة أدب وهيهات أن يأتي الدهر بمثله.
وتحيّز إلى إشبيلية، فأنس المعتمد بمكانه، وجعل له حظًا من سلطانه، ثم بقي بعده على حاله، مشتملًا بفضل إقباله، مقبلًا على لذاته.
ومما أنشد له قوله (١): [من البسيط]
قال الوشاة ودمع العينِ مُنحدر … ودمعُهُ فوق روضِ الوَرْدِ قد حارا
النارُ يُحرقها قلبي بزفرتِهِ … مِنَ العَجيبِ فُؤَادٌ يُحرقُ النارا
وقوله (٢): [من السريع]
ظُلمُكَ أضحى لي بلا مِرْيَةٍ … مُؤثّرًا في خدك الناضر
ما أرفق الله بأهلِ الهَوَى … إِذْ صَيَّرَ الجور على الجائر
وقوله (٣): [من الطويل]
ومَنْ أَصبحت فيه المكارم جوهرًا … بلا عَرَضِ فالمَدْحُ فِيهِ قَبيح
[و] لكن رأيتُ الشِّعْرَ يثبتُ ذكرُهُ … فلا غَرْوَ أَنْ يُهدى إليكَ مَدِيحُ
وقوله وهو معنى قول أبي نواس، ولكنه نقله (٤): [من الوافر]
وما يحتاج يومَ الحَربِ جيشًا … فإِنَّ عِداهُ كالزرع الحَطيم
وإن أبقى لهم فرعون سِحْرًا … ففي يده عصا موسى الكليم
وقوله في مهر قتله تغالب الفحول عليه (٥): [من البسيط]
يا يوسفَ الخَيل يا مقتول إخوته … قلبي لفقدك بينَ الحَرْبِ والحَرَبِ
(١) الذخيرة ٤/ ٣٤٥.
(٢) الذخيرة ٤/ ٣٤٦.
(٣) الذخيرة ٤/ ٣٤٩.
(٤) الذخيرة ٤/ ٣٥١.
(٥) الذخيرة ٤/ ٣٥٢ - ٣٥٣.