يتفرقا" و"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرع بين نسائه" والباحث في فقه أبي حنيفة يجد أن هذه الأحاديث مأخوذ بها في مذهبه ولا يحاسب الإنسان إلا على ما دون واعتقد دون ما يشك في نسبته إليه. وهذه الروايات جميعها لا تسلم من مطعن وإذا سلم الطريق فإن صاحب الرواية إما حاسد أو جاهل كما قال الأئمة كما تقدم، فالحاسد قد يعذر، والجاهل لا يلتفت إلى كلامه.
قال الخطيب:
"أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى ظهر فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي، فضلوا وأضلوا. قال سفيان: ولم يزل أمر الناس معتدلًا حتى غير ذلك أبو حنيفة -بالكوفة، وعثمان البتي بالبصرة، وربيعة الرأي بالمدينة فنظرنا فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم" (١).
وهذه الرواية -مع ما تقدم من رأى ابن عيينة في أبي حنيفة- تنطق بالانتحال والوضع على لسان سفيان بن عيينة، فسفيان بن عيينة رحمه الله أول مقر بفضل أبي حنيفة ورأيه وعلمه وأخبر الناس به عن قرب، كما أن ابن عيينة أجل قدرًا من أن يفوه بمثل هذا الكلام الذي لا يجري إلا على لسان جاهل أو من فقد خوف الله من قلبه.
وسيأتي رد هذه الافتراءات كلها في الفصل التالي.
قال الخطيب:
أخبرنا الفضل حدثنا علي بن إبراهيم بن شعيب الفازي حدثنا محمّد بن إسماعيل البخاري حدثنا صاحب لنا عن حمدويه قال: قلت لمحمد بن مسلمة: ما لرأي النعمان دخل البلدان كلها إلا المدينة؟ قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يدخلها الدجال ولا الطاعون" "هو دجال من الدجاجلة" (٢) وكذلك يروى روايات كثيرة بهذا المعنى.
وهذه الرواية وإن كان فيها البخاري رحمه الله إلا أن شيخه مجهول لم يسم، ومع ذلك لو سمى فلن يزيد في الأمر شيئًا فالحكاية من أصلها موضوعة منتحلة يتطاير منها شرر الحسد والبغضاء والتعصب، والرواية نفسها ترد على من افتراها إذ أن فقه أبي حنيفة دخل المدينة والحجاز في عهد أبي حنيفة وفيما بعده بل قد ظل يحكم بمذهب أبي حنيفة من أواخر أيام هارون الرشيد إلى أن سقطت الدولة العثمانية فأي ورطة أوقع الرواة أنفسهم فيها -وإن كان هناك رواة- فإما أن لا يصدقه الحديث وإما أن يكذبوهم، وحاشا الحديث الصحيح أن يتخلف قيد أنملة عما حدث به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبق إلا كذب الرواة واختلاقهم هذا الكلام عن محمّد بن مسلمة أو عن غيره من الأئمة.
بل إن كثيرًا من أهل المدينة الآن يتمذهبون بمذهب أبي حنيفة ويعملون بموجبه، وخاصة الجالية التي نزحت في مطلع القرن الحالي عندما
(١) تاريخ بغداد: (١٣/ ٤١٣ - ٤١٤). (٢) تاريخ بغداد (١٣/ ٤١٥).