للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

جانب ضعف الراوي -عبد السلام ابن عبد الرحمن الذي تقدم- فإن شيخه إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي مجهول الحال. وقد حاول الشيخ الألباني أن ينفي عنه الجهالة فلم يأت له بتوثيق أو تعديل وإنما طعن علي الكوثري عدم معرفته، على حين هو لم يأت له بتعريف (١).

ثم إن المتن نفسه مرفوض سواء صح السند أو لا، فهل يعقل أن يصدر مثل هذا الكلام عن إمام شهد الأئمة بحسن أدبه مع الناس ثم هو يتردى في مثل هذه المهاوي؟ ثم لماذا لم يذكر الفزاري تلك الأحاديث التي خالفها أبو حنيفة ولم يمتثل الانصياع إليها، ألا يحتمل أن تكون أحاديث باطلة؟ ألا يحتمل أن تكون المسألة كلها مختلقة وليدة ساعتها فلم يستطع المسؤول عن هذه الرواية أن يرتب المسألة ويرتب الحديث، ولكنه بدهاء ومكر لم يحدد المسألة ولم يحدد الحديث حتى يصرف الأنظار عن مناقشته إلى التفكير في مخالفة أبي حنيفة للحديث، وما يزعمه من قلة أدبه مع الحديث. وهذا كلام حتى لو صح سنده إلى الفزاري فلا يجوز أخذه ولا الاعتبار به, لأن كبار الأئمة أثنوا على أبي حنيفة فلا يعقل صدور مثل هذا منه ولا شك أن المتن واضح البطلان، وفيه إفراط في الحقد والتعصب، واجتراء على إلصاق الضلال بالمخالفين، وهذا ليس من عمل العلماء على الإطلاق.

قال الخطيب:

حدثنا محمَّد بن علي بن مخلد الوراق -لفظا- قال في كتابي عن أبي بكر محمَّد بن عبد الله بن صالح الأسدي الفقيه المالكي قال سمعت أبا بكر بن أبي داود السجستاني يوما وهو يقول لأصحابه: "ما نقول في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه وسفيان الثوري وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه فقالوا له: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة" (٢).

وهذه الرواية أيضًا باطلة سندًا ومتنا. وأما من ناحية الإسناد فصاحبها والمسؤول عنها ابن أبي داود وهو عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني وأبوه أبو داود صاحب السنن المشهور، قال عنه أبوه: ابني عبد الله هذا كذاب، وقال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فيه. وقال إبراهيم الأصبهاني: أبو بكر بن أبي داود كذاب (٣).

وقد حاول الكثيرون أن ينفوا الكذب عن ابن أبي داود فمنهم من قال إن أباه كذبه في أول طلبه ولكنه كبر وساد وأصبح إماما، ومنهم من


(١) التنكيل: (١/ ٢١٧).
(٢) تاريخ بغداد: (١٣/ ٣٩٤).
(٣) ميزان الاعتدال: (٢/ ٤٣٣)، الكامل (٤/ ١٥٧٧)، تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٦٧)، شذرات الذهب (٢/ ١٦٨)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٥) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢١)، الأنساب (٧/ ٨٥)، الوافي بالوفيات (١٧/ ٢٠٠).