أما من ناحية الإسناد فلا داعي لمناقشته لأن القضية نفسها مختلف فيها بين العلماء وموافقو أبي حنيفة كثيرون والقضية معروفة في كتب العقائد بمسألة الاستثناء، والمثير للسخرية في جعل هذه القضية مطعنًا على أبي حنيفة أنهم لا يدرون أن سفيان الثوري نفسه رجع عن قوله وأخذ بقول أبي حنيفة.
قال الخطيب:
أخبرنا علي بن محمّد بن عبد الله المعدل أخبرنا محمد بن عمرو بن البختري الرزاز حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا الحميدي حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة, أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا، وسأله عن رجل قال أشهد أن محمّد بن عبد الله بني ولكن لا أدري هذا الذي بالمدينة؟ فقال مؤمن حقًّا، قال الحميدي: ومن قال هذا فقد كفر (٢).
وهذه الرواية باطلة من أصلها فلا أبو حنيفة قالها ولا الحميدي كفر قائلها لأنها من انتحال ووضع الحارث بن عمير، فهو من الوضاعين الكذابين قال الذهبي: كذبه ابن خزيمة وقال الحاكم: روى عن الحميدي أحاديث موضوعة، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.
فهؤلاء أئمة الجرح يكذبونه بل ينصون على أنه يكذب على الحميدي ويضع الأخبار على لسانه.
وهذا كاف لرد الرواية وإسقاطها حتى من استحقاق المناقشة.
ولكن الخطيب مؤاخذ في إيراد هذه القضية لأنه كان يجب أن ينبه إلى كذب الحارث لأنه كذبه في تاريخه (٣).
قال الخطيب:
وقال الحارث بن عمير: وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاض أن فلان بن فلان طلق امرأته وعلما جميعًا أنهما شهدا بالزور ففرق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال: نعم، قال: ثم على القاضي بعد، أله أن يفرق بينهما؟ قال: لا.
وهذه الرواية من رواية الحارث الكذاب أيضًا، ولو سلمنا أن الرواية صحيحة فهذا رأي فقهي مستند إلى دليل مشهور في كتب الفقه، أخذه أبو حنيفة عن عمر وعلي رضي الله عنهما. ووجهة النظر أن طلاق القاضي وتفريقه وقع ونفذ لأن القاضي لم يعلم بالواقع، والإثم على الشهود، والشاهد تزوجها بعد حصول التفريق -وإن كان باطلًا في نظره- لكنها طلقت، وأبو حنيفة متابع هنا ويشترك مع غيره كالشعبي، والكل متفقون أن الشهود آثمون مرتكبون أكبر الكبائر. فالتشهير في هذه المسألة واضح فيه الحقد الدفين من هذا الكذاب الحقود الحسود، الذي لم يجد شيئًا يشين به هذا الإمام إلا ما رآه بنظره الأخرق أنه على غير صواب.
(١) تاريخ بغداد: (١٣/ ٣٧٢). (٢) تاريخ بغداد: (١٣/ ٣٧٢). (٣) تاريخ بغداد: (٨/ ٣١٣) رقم (١٢٨٥).