باللّه، واعلموا أنّكم ما أخلصتم للّه من أعمالكم، فربّكم أطعتم وحظّكم حفظتم، وما تطوّعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا لسلفكم، وتعطوا جرايتكم حين فقركم وحاجتكم إليها، ثم تفكروا عباد اللّه في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه، وحلّوا في الشقاء أو السّعادة فيما بعد الموت؛ إنّ اللّه ليس له شريك، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا، ولا يصرف عنه سوءا، إلاّ بطاعته واتّباع أمره؛ فإنه لا خير في خير بعده النّار، ولا شرّ في شرّ بعده الجنة. أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم، وصلّوا على نبيّكم ﷺ، والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
وأخرج الحاكم والبيهقي (١) عن عبد اللّه بن عكيم (٢)، قال: خطبنا أبو بكر الصّدّيق فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: أوصيكم بتقوى اللّه، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرّغبة بالرّهبة؛ فإنّ اللّه تعالى أثنى على زكريّا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي اَلْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ (٣)؛ ثم اعلموا عباد اللّه أنّ اللّه قد ارتهن بحقّه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب اللّه فيكم لا يطفأ نوره ولا تنقضي عجائبه، فاستضيئوا بنوره، وانتصحوا كتابه، واستضيئوا منه ليوم الظّلمة، فإنّه إنّما خلقكم لعبادته، ووكّل بكم ﴿كِراماً كاتِبِينَ، * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٤) ثم اعلموا عباد اللّه أنّكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل اللّه فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلاّ بإذن اللّه، سابقوا في آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فتردّكم إلى أسوأ أعمالكم؛ فإنّ قوما جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنها كم أن تكونوا أمثالهم؛ فالوحا الوحا (٥)، ثم النّجاء النّجاء، فإنّ وراءكم طالبا حثيثا أمره سريع.
(١) وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٥. (٢) في الأصول عدا أ: حكيم، تحريف، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٢٣. (٣) سورة الأنبياء ٩٠: ٢١. (٤) سورة الانفطار ١١: ٨٢ - ١٢. (٥) الوحا: العجلة.