وأخرج أحمد في «الزّهد» عن ابن سيرين، قال: لم أعلم أحدا استقاء من طعام أكله غير أبي بكر، وذكر القصّة.
وأخرج النّسائي عن أسلم، أنّ عمر بن الخطّاب اطّلع على أبي بكر وهو آخذ بلسانه، فقال: هذا الذي أوردني الموارد.
وأخرج أبو عبيد في «الغريب» عن أبي بكر، أنّه مرّ بعبد الرّحمن بن عوف وهو يماظّ جارا له، فقال له: لا تماظّ جارك فإنّه يبقى ويذهب عنك النّاس.
المماظّة: المنازعة والمخاصمة.
وأخرج ابن عساكر (١) عن موسى بن عقبة، أنّ أبا بكر الصّدّيق كان يخطب فيقول: الحمد للّه ربّ العالمين، أحمده وأستعينه، ونسأله الكرامة فيما بعد الموت، فإنّه قد دنا أجلي وأجلكم، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكافِرِينَ﴾ (٢) ومن يطع اللّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد ضلّ ضلالا مبينا، أوصيكم بتقوى اللّه، والاعتصام بأمر اللّه الذي شرع لكم وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص السّمع والطّاعة لمن ولاه اللّه أمركم، فإنّه من يطع والي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فقد أفلح وأدّى الذي عليه من الحقّ، وإيّاكم واتّباع الهوى، فقد أفلح من حفظ من الهوى والطّمع والغضب، وإيّاكم والفخر، وما فخر من خلق من تراب، ثم إلى التّراب يعود، ثم يأكله الدّود، ثم هو اليوم حيّ وغدا ميّت؟ فاعملوا يوما بيوم، وساعة بساعة، وتوقّوا دعاء المظلوم، وعدّوا أنفسكم في الموتى، واصبروا فإنّ العمل كلّه بالصّبر، واحذروا والحذر ينفع، واعملوا والعمل يقبل، واحذروا ما حذّركم اللّه من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم اللّه من رحمته، وافهموا وتفهموا، واتّقوا وتوقّوا، فإن اللّه قد بيّن لكم ما أهلك به من كان قبلكم، وما نجّى به من نجّى قبلكم؛ قد بيّن لكم في كتابه حلاله وحرامه وما يحبّ من الأعمال وما يكره، فإنّي لا آلوكم ونفسي، واللّه المستعان، ولا حول ولا قوّة إلا