فلما قتل مالك بن سعيد، بقي الناس بلا قاض من ربيع الآخر إلى شعبان سنة خمس وأربعمائة. ويتطلع كل إنسان إلى القضاء غير أنهم جزعون بما جرى على من تقدّمهم، وقام في نفس أبي يعقوب بن إسحاق، وكذلك سليمان بن رستم، وما يجري مجراهما، فلزموا موكب الحاكم، وأبو العباس بن أبي العوّام هذا لازم داره، ينظر في الفرض (١)، ويشهد، ولم يسأل الحاكم أن يكون في جملة من يدخل إليه.
وكان بمصر رجل مكفوف يعرف بأبي الفضل جعفر الضرير، من أهل العلم والنحو، واللغة، فقدّمه الحاكم، وخلع عليه، وأقطعه، ولقّبه بعالم العلماء، وسأله عن الناس واحدا واحدا، من يصلح منهم، وهو أعلم بما يسأل عنه، وإنما أراد أن ينظر مبلغ عقله، فذكر أبا العباس بن أبي العوّام وغيره، فوقع الاختيار على أبي العباس، فقيل للحاكم: يا أمير المؤمنين، ما هو على مذهبك، ولا من مذهب من تقدّم من سلفك، غير أنه نفسه مأمون، مصري، عارف بالقضاء، عارف بالناس، وما في مصر من يصلح لهذا الأمر غيره.
وقام أبو الفضل الضرير من عند الحاكم وقد أحكم له الأمر، فأمر الحاكم أن يكتب له سجل، وشرط عليه فيه أنه إذا جلس في مجلس يكون معه أربعة من فقهاء الحاكم، كي لا يحكم إلا على المذهب.
وقرئ عهد على المنبر بالجامع العتيق، وزكّاه فيه بأحسن تزكية وخلع عليه، وحمله على مركب حسن، وجعل له النظر في القاهرة، ومصر والحرمين، وسائر الأعمال، ما خلا فلسطين، فإن الحاكم ولّاها أبا طالب المعروف بابن بنت الرندي، ولم يجعل لأبي العباس عليه نظرا، وكان هذا يجلّ نفسه عن قضاء