للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فانجلت تلك السحابة عن نوبة العدل والإنصاف، واستقامة الأمور، وإزالة الرسوم الممقوتة، وكان هذا الصدر - صاحب الترجمة - خاليا عن العمل، مشتغلا بأمور نفسه، مع الأبهة والحشمة، والنعمة، وقد بعث رسولا إلى ما وراء النهر، وأحمد سعيه في الدولة الماضية، وعهد حشمته، ورزانة نفسه أمور، فبقي على ذلك مدة إلى ابتداء الدولة الملكشاهية، فصار مقدّم البلد أيام الكهولة، وأدى الحال إلى تفويض القضاء بنيسابور إلى هذا الصدر، فصار قاضي القضاة على الإطلاق، وجرى في ذلك من العدل والإنصاف ونقاء الجيب وصون اليد وصيانة النفس، ورد الحقوق إلى أهلها، والقبض على الأيدي الخاطئة، وكان يجمع الوصايا، وما يفضل من التركات طول السنة، ثم يفرقها على العلماء والصالحين، من الفرق في شهر رمضان، وسن سننا صالحة في الأمور، وعقد مجلس الإملاء عشيات الخميس في الجامع القديم، على رسم أسلافه، وكان يحضر ذلك المجلس من دبّ ودرج من الفرق بالنوب، ويتقرب إليه المشايخ والأئمة (١) بالحضور.

ولم يزل يرتفع أمره لحسن سيرته، وكان صدوق اللهجة، يحب كل من ظهر عنده صدق مقالته، ويبغض الكذب وأهله أشد البغض، وكانت أموره كلها متناسقة، وأسبابه منتظمة، ومساعيه مع قضاء حقوق المعارف، وحضور التهاني، والقيام لكل من يستعين به مع ما بلغ ما يؤول إلى صلاح حاله إلى أن أدركه قضاء الله الذي لا بد لكل أحد منه، بعد امتداد مرض به، كفّر عنه بعض ما سلف له من الخطايا التي لا يخلو منها إنسان (٢). ومات ليلة الثلاثاء قبل الصبح، الثامن من شعبان، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة (٣).


(١) في الأصل المخطوط: "والأمور" ولا معنى لها، والصواب ما أثبتناه من تاريخ الإسلام، نقلا عن المنتخب من السياق ١١٢ - ١١٣.
(٢) تاريخ الإسلام ٣٣/ ٧٥ - ٧٦.
(٣) ودفن بمقبرة أسلافه، وكان يقال له: شيخ الإسلام. انظر: الجواهر المضية ١/ ٢٨١، وتاريخ الإسلام ٣٣/ ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>