خراسان، وتحركت رياح آل سلجوق، في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة، ووقع القحط مع انقلاب الدولة، وأظهر الغلاء والجلاء، وتتابعت المحن، وظهر اللصوص والعيّارون في البلد، وكانوا يغيرون على السكك والخانات المعروفة الموسومة بالخزائن، فاحتاج البلد وأهله إلى أن يطاف بالليالي، ويحرس الناس عن القتل والبيات، ويدفع أذى العيارين، وكان هذا الصدر متهيبا لذلك، فأشار عليه جده صاعد بردع المفسدين، وأفتاه بدفع ذلك، وقتل العيارين واللصوص لما فيه من المصلحة، فقام بذلك أحسن قيام، وساس الرعايا أبلغ سياسة، ولم يزل بأهل الزعارة والفساد واللصوص حتى أتى على أكثرهم، وتولى قتلهم بنفسه، ودفعهم عن المسلمين، حتى سكنت تلك الثائرة، واستقلت الدولة السلجوقية، وزال الغلاء بعض الزوال، فحصل له ما سبق به أقرانه وأقاربه من أهل العلم وسادهم، وتقدم عليهم، ثم لم يزل يرتفع أمره لما فيه من المروءة والرجولية، والهمة العالية، إلى أن فوضت رياسة نيسابور إليه، فصار رئيس الرؤساء بها، وساعدته الاتفاقات الحسنة من أسباب الدنيا، فأجرى الرئاسة ورسومها على أحسن مجاريها، ورسم المحافل والمشاهد والمجامع أحسن رسم، وأزينه، وكان ملحوظا من السلطان وأركان الدولة بعين الاحترام والإكرام، سافر إلى العسكر مرات، ونال من المكرمة والحشمة والجاه ما لم ينله غيره، ولم يلحق وجه حاله غيره، في هذه المدد إلى نيف وأربعين وأربعمائة، فمال بعد ذلك بعض الميل إلى التعصب في المذهب، وأخذ الهوى بزمام اختياره إلى ما لا يليق بالكبار، مثل ذلك من المبالغة في العناد، ومطاولة الأقران من سائر الفرق، حتى أدى إلى إفحاش العلماء والأئمة، وإعزاز الطوائف على بعض، والخروج عن الاعتدال في المصاحبة والمؤالفة، فكان ذلك غضا من منصبه، واتساق أحواله وأموره، إلى أن فترت تلك الفترة بعد اشتعال نيرانها، وتأذى طائفة من أهل السنة بها إلى سنة نيف وخمسين، وأفضى الأمر إلى أحوال غير مرضية، حتى انتهت نوبة الولاية إلى السلطان ألب أرسلان،