وكان القاضي أبو يوسف قاضي الرشيد في أيامه حشمة وجاها، وسؤددا، وبقي في القضاء مدة ثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
ولقد شهد له أبو الطيب الطبري شيخ الشافعية، وكان يقول: أبو عبد الله الدامغاني القاضي أعرف بمذهب الشافعي من كثير من أصحابنا (٢).
وفي ذيله: "اجتمع له ما لم يجتمع لغيره في سيادته، وعلوّ رتبته من الحلم والعلم، وجزالة الرأي، والاطلاع على غوامض الأحكام الشرعية.
قال: وكان قد حصر العلم بجهد جهيد، وفقر حتى سمعت أنه كان يحرس في درب بالكرخ، ويأكل من أجرة الحراسة على ما جرت به عادة السلف من احتمال المشقة في طلب العلم (٣).
وقال محمد بن عبد الوهاب في طبقات الفقهاء: كان أبو عبد الله الدامغاني قد جمع الصورة البهية، والمعاني الحسنة من الدين، والعقل، والعلم، والحلم، وكرم المعاشرة للناس، والتعصب لهم. وكانت له صدقات في السر، وإنصاف في العلم لم يكن لغيره، وكان يورد من المداعبات في مجلسه، والحكايات المضحكة
(١) تاريخ بغداد ٣/ ١٠٩. (٢) الجواهر المضية ٣/ ٢٧٠. (٣) قال في الجواهر: " قال القاضي أبو بكر بن العربي: أخبرني جماعة من الأشياخ ببغداد، أن قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني كان يمشي في الموكب وحوله القضاة والعدول، فيمر بالروشن - أي: الكوة - فيقف عنده، ويقول: يرحمك الله يا فلانة!، كنت حارس هذا الدرب بقراريط معلومة، فإذا أعتم الليل جلست تحت هذا الروشن أدرس الليل كله، وكانت امرأة في روشنها بمردنها - أي: مغزلها - تغزل الليل كله، فإذا أوهمت وتوقفت في الدرس، تقول لي: ليس هكذا يا محمد، وليس لتوقّفك معنى، قد درسته قبل هذا على كذا وكذا، فأتذكره بها. يخجل بذلك المتكبّرين، ويسلّي المتواضعين ". الجواهر المضية ٣/ ٢٧١.