فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق. فضحكت، فقال لي: ممّ ضحكك؟.
فقلت: خيرا أبقى الله أمير المؤمنين. فقال: لتخبرنّي. فأخبرته بالقصة من أولها حتى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري إنّ العلم ليرفع وينفع دينا ودنيا.
وترحّم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعيني عقله ما لا يراه بعيني رأسه (١).
وزاد السمناني في تاريخه: أن الرشيد سأل أبا يوسف عن أمه، فقال له: هي حية باقية، فقال: يحمل ذلك إليها، ويذكر لها ذلك. وتبر قسم أبي حنيفة.
وقال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة (٢)، لا أفارقه في فطر ولا أضحى إلا من مرض.
وولي أبو يوسف القضاء لثلاثة من الخلفاء: للمهدي، والهادي، والرشيد.
وكان الرشيد يكرمه ويبجّله، وحجّ معه. واجتمع بمالك وناظره في مقدار الصاع، وهو أول من خوطب بقاضي القضاة في خلافة الرشيد، ولم يخاطب بها أحد قبله، وهو أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة (٣).
وقال محمد بن جرير الطبري: كان أبو يوسف فقيها، عالما، حافظا، وكان يعرف بحفظ الحديث، وكان يحضر المحدّث فيحفظ خمسين حديثا وستين، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث.
وقال طلحة بن محمد الحافظ: كان أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدّمه أحد في زمانه، وكان
(١) انظر: الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٧. (٢) انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٣٧. دون قوله: "لا أفارقه .. إلا من مرض". (٣) أي إلى الزي الذي كان القضاة والعلماء يتزيون به في وقته، ليتميزوا من عامة الناس. ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه ١٤/ ٢٤٣.