وانتضاه سيفا للتقليد (١)، وكان موضع أمانته، ومرجع أمور ديانته، حتى كان يدخله إلى ما وراء حجابه، ويستدعيه بغير محضر من حجّابه، ويعارضه أحيانا في حرمه، ويفاوضه فيما يكون بينه وبين حرمه، ويسارّه حيث لا يكون نجيّ، ويشاوره فيما أمره به الله والنبي ﷺ، فعظمت لهذا لديه مكانته، وعرفت بالتسديد في دين الله متانته، واتسع له ذيل مال من الحلال مكسبه، ومن تحف الرشيد وأهل بيته سببه، وما زال على هذا حتى خبت ريحه، وأواه في مستقر الترب ضريحه.
ذكر الخطيب عن أبي يوسف قال: توفي أبي وخلّفني صغيرا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصّار (٢) أخدمه، فكنت أدع القصار وأمرّ إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أسمع، فكانت أمي تجئ خلفي إلى الحلقة تأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعتني بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما أرى لهذا الصبي فسادا غيرك. هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وأؤمل أن يكسب دانقا يعود به على نفسه.
فقال لها أبو حنيفة: مرّي يا رعناء! هو ذا والله يتعلم أكل الفالوذج (٣) بدهن الفستق!. فانصرفت عنه، وقالت: أنت شيخ قد خرفت، وذهب عقلك.
قال أبو يوسف: ثم لزمته، فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلّدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدّم إليّ الرشيد فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب، كلّ منه، فليس في كل يوم يعمل لنا
(١) من قولهم: "تقلّد السيف" إذا حمله. (٢) القصار من يقوم بتبييض الثياب، من "القصارة". (٣) الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل (فارسية).