ولفت كتاب «الإفادة» انتباه المستشرقين منذ القرن الثامن عشر، إلى أن أصدر له أبو الاستشراق الفرنسي سلفستر دي ساسي نشرة مصحوبة بترجمة فرنسية وشروح وتعليقات سنة ١٨١٠ بعنوان Sylvestre de Sacy، Relation d'Egypte par Abd al-Lati? f، Paris ١٨١٠ (١).
والمصدر الثاني الذي نقل عنه المقريزي كتاب «تحفة الألباب ونخبة الإعجاب» لأبي حامد محمد بن عبد الرّحيم المازني القيسي الغرناطي الأندلسي الأقليشي الذين ولد في غرناطة سنة ٤٧٣ هـ/ ١٠٨١ م، وغادر الأندلس إلى غير رجعة حوالي سنة ٥٠٠ هـ/ ١١٠٧ م. وطاف بشمال إفريقيا ودخل الإسكندرية سنة ٥٠٨ هـ/ ١١١٥ م وسمع بها وبمصر سنة ٥١١ هـ/ ١١١٨ م، وحدّث بدمشق وسمع بها أيضا وببغداد التي قدمها سنة ٥٠٦ هـ/ ١١٢٣ م، ودخل خراسان وأقام بها مدّة. ثم رجع إلى الشّام وأقام بحلب سنين، وانتهى به المطاف في دمشق حيث توفي سنة ٥٦٥ هـ/ ١١٧٠ م في الثانية والتسعين من عمره (٢). ولم يصل إلينا من مؤلّفاته إلاّ كتابان:
«تحفة الألباب» و «المعرب عن بعض عجائب المغرب».
وصنّف أبو حامد الغرناطي كتاب «التّحفة» سنة ٥٥٧ هـ/ ١١٦٢ م بالموصل بتوجيه من عالم متصوّف يدعى الإربلي، ويشتمل الكتاب على أربعة أبواب، الأوّل - «صفة الدّنيا وسكّانها من إنسها وجنّها»، والثاني «صفة عجائب البلدان وغرائب البنيان»(وهو الباب الذي اعتمد عليه المقريزي)، والثالث «صفة البحار وعجائب حيواناتها وما يخرج منها من العنبر والقار وما في جزائرها من أنواع النّفط والنّار»، والرّابع - «صفات الحفائر والقبور وما تضمّنت من العظام إلى يوم النّشور».
وخلّف لنا أبو حامد في الباب الثاني معطيات هامّة وطريفة، فقد كان واحدا من بين آخر من رأوا «منار الإسكندرية» في صورتها التّامّة، ورأى بعين شمس، شمال القاهرة، مسلّتيها قبل سقوط إحداهما سنة ٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م، وتمكّن من النّفاذ إلى داخل الهرم الأكبر سنة ٥١١ هـ/ ١١١٧ م وقدّم لنا وصفا دقيقا لما شاهده به نقله المقريزي (فيما يلي ٣١٣ - ٣١٤).
(١) أعاد نشرها سلامة موسى وصدرت في القاهرة عن المجلة الجديدة سنة ١٩٣٣، ثم نشرها في دمشق أحمد غسّان سبانو سنة ١٩٨٣، وعلى هذه النشرة اعتمدت في إحالاتي. (٢) راجع ترجمته عند، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٤٥: ٣ - ٢٤٦؛ المقري: نفخ الطيب ٢٣٥: ٢ - ٢٣٦؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٣٢٦ - ٣٣٠؛ حسين مؤنس: تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس ٣٠٣ - ٣٥٧.