وأثقالهم، ونجوا بأنفسهم وأولادهم./ وقد ماج النّاس واضطّربوا كأنّما خرجوا من قبورهم إلى المحشر: لا يعبأ والد بولده، ولا يلتفت أخ إلى أخيه، وبلغ كراء الدّابّة من مصر إلى القاهرة بضعة عشر دينارا، وكراء الجمل (a) إلى ثلاثين دينارا.
ونزل النّاس (b) بالقاهرة في المساجد والحمّامات والأزقّة وعلى الطّرقات، فصاروا مطروحين بعيالهم وأولادهم، وقد سلبوا سائر أموالهم، وينتظرون هجوم العدوّ على القاهرة بالسّيف كما فعل بمدينة بلبيس (١).
وبعث شاور إلى مصر بعشرين ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل نار فرّق ذلك فيها، فارتفع لهب النار ودخان الحريق إلى السّماء، فصار منظرا مهولا، فاستمرّت النار تأتي على مساكن مصر من اليوم التاسع والعشرين من صفر لتمام أربعة وخمسين يوما، والنّهّابة من العبيد ورجال الأسطول وغيرهم بهذه المنازل في طلب الخبايا. فلمّا وقع الحريق بمصر، رحل مرّي [Amaury] من بركة الحبش، ونزل بظاهر القاهرة ممّا يلي باب البرقيّة، وقاتل أهلها قتالا كثيرا حتى زلزلوا زلزالا شديدا، وضعفت نفوسهم وكادوا يؤخذون عنوة، فعاد شاور إلى مخاتلة (c) الفرنج، وجرت أمور آلت إلى الصّلح على مال (٢).
فبينما هم في جبايته، إذ بلغ الفرنج مجيء أسد الدين شير كوه بعساكر الشّام من عند السّلطان نور الدين محمود، فرحلوا في سابع (d) ربيع الآخر إلى بلبيس، وساروا منها إلى فاقّوس، فصاروا إلى بلادهم بالسّاحل. ونزل شير كوه بالمقس خارج القاهرة.
وكان من قتل شاور واستيلاء شير كوه على مصر ما كان (٣)؛ فمن حينئذ خربت مصر الفسطاط هذا الخراب الذي هو الآن كيمان مصر وتلاشى أمرها، وافتقر أهلها وذهبت أموالهم وزالت نعمهم. فلمّا استبدّ شير كوه بوزارة العاضد، أمر بإحضار أعيان أهل مصر الذين خلوا عن ديارهم في الفتنة وصاروا بالقاهرة، وتغمّم لمصابهم، وسفّه رأي شاور في إحراق المدينة، وأمرهم بالعود إليها. فشكوا إليه ما بهم من الفقر والفاقة وخراب المنازل، وقالوا: إلى أيّ