للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قالَ جارُ اللهِ: "فأنتَ على الأوَّلِ يَجوزُ لَكَ تَوْحِيدُه في التَّثنِيةِ والجَمع وأن لا تؤنِّثُةُ قال اللهُ تَعالى (١) {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} وعلى الثَّاني: ليس لك إلَّا أن تُثَنِّيه وتَجْمَعَهُ وتؤنثَه، وقد اجتَمَعَ الوَجهان في قوله عليه السلام: (٢) "ألا أُخبرُكم بأحبِّكم إليَّ، وأَقربكُم مني مَجالِسَ يومَ القِيامةِ أحاسِنُكم أَخلاقًا الموطَّئُوون أكنَافًا اللَّذين يَأْلِفُون ويُؤلَفُون، أَلا أخبركم بأبغَضِكُم إليَّ، وأبعَدِكُمْ مِنِّي مجالِسَ يومَ القِيامَةِ أَساوِئكُم أخلاقًا الثَّرثارون المُتَفَيهِقُون".

قالَ المشرّحُ: إذا قَصَدْتَ بأفعلِ التَّفضِيلِ المعنى الأوَّلَ جازَ تصريفُه وتركُ تَصريفِه، وعلى المَعنى الثَّاني: لا يَجُوزُ إلَّا تَصرِيفُه لأنَّه بمنزلةِ اسمِ الفاعلِ وقد اجتَمَعَ التَّصريفُ وَتركُهُ في الحديث ألَا تَرَى أنَّ قوله بأحبّكم إليَّ وأَقرَبَكُم من بابِ تَركِ التَّصريفِ، وأحاسِنِكُمِ أَخلاقًا من بابِ التَّصريفِ، وكذا قوله بأبغَضِكُم وَأَبْعَدِكُم من بابِ تَركِ التَّصريف وأَسَاوِيكم أخلاقًا من بابِ التَّصريفِ يومَ القيامةِ في كِلا المَوضعين مَنصوبٌ، والعامِلُ فيه ما كُنَي عنه من عُلوُّ الدَّرجةِ بأحبِّكم إليَّ، وأقربكم مِنّي لا أحبُّكم وأقرَبُكم. رَجُلٌ ثَرثارٌ كثيرُ الكَلامِ من قولهم: عينٌ ثَرَّةٌ أي كثيرةُ الماءِ كُرّرت الثَّاء فيه للمبالغة، المتفَيهقُ مثله من فَهَقَ الإِناءَ إذا ملأه كأَنَّه الذي يَنصَبُّ من شِدَّةِ الامتِلاءِ.

قالَ جارُ اللَّهِ: "وعلى الوَجهِ الأوَّلِ لا يَجوزُ أن تقولَ: يوسُف أحسنُ إخوتِهِ لأنَّك لما أضفتَ الأخوة إلى ضَميرِه فقد أخرجتَه من جُملتهم من قِبَلِ أنَّ المضافَ حَقُّه أن يكونَ غيرَ المضافِ إليه، ألا تَرى أنَّك إذا قُلت: هَؤلاء إِخوة زيدٍ لم يكُن زيدٌ في عِدَادِ المُضافين إليه، وإذا خَرَجَ من جُملتهم لم


(١) سورة البقرة: آية: ٩٦.
(٢) هذا الحديث بهذا اللفظ تقريبًا في سنن الترمذي: كتاب البرّ والصلة باب ما جاء في معاني الأخلاق: ٤/ ٣٧٠ وهو موجود في مسند الإمام أحمد ٤/ ١٩٣، ١٩٤ مع اختلافِ لفظٍ.

<<  <  ج: ص:  >  >>