وإنما عطف بالفاء في قوله:{فَأَقْبَلَ} في هذه الآية؛ لأنه لما وصفهم بأنهم مكرمون في جنات النعيم أتبع ذلك حالة المتحدثين على الشراب؛ يتحدثون بما يسر جلساءهم.
قرئ "لمن المصدّقين" بالتشديد، أي: يتصدقون على المحتاجين، وبالتخفيف في الصاد من التصديق (١). وقيل: نزلت في رجلين تصدق أحدهما بجميع ماله فافتقر؛ فسأل صاحبه أن يعينه بشيء، فقال له: وأين مالك؟ فقال: تصدقت به كله؛ أرجو به ثواب الله؛ فقال:{أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ} الآية، والله لا أعطيك شيئا (٢).
{لَمَدِينُونَ} لمجزيون، من الدين وهو الجزاء، قال ذلك القائل وهو في الجنة لأصحابه الذين معه:{هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ} معي، فينظرون {فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ} أي: في وسط الجحيم، فقال له: تالله لقد كدت أن ترديني وتهلكني. وقيل: القائل الله سبحانه.
{إِنْ} هي المخففة من الثقيلة، وهي تدخل على نواسخ الابتداء، واللام هي الفارقة بين النافية والمثبتة. {وَلَوْلا} عصمة ربي (٢١٧ /ب){لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} في العذاب {أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ} كما زعمت {إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى}{إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} يعني: إن هذا التخلص مما عذب به الكفار، ومن تبكيت المؤمن للكافر - لهو الفوز العظيم.
{خَيْرٌ نُزُلاً} خير حاصلا، وحاصل الرزق المعلوم التلذذ والسرور، و {شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} الحزن والغم. ويجوز أن يكون حالا؛ كقولك: هذا رطبا خير منه بسرا. والنزل: ما يقام من الطعام والشراب وغيرهما. وقوله:{أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً} تبكيت على اختيارهم الباطل.
(١) قرأ بها حمزة في رواية علي بن كيسة عن سليم عنه. تنظر في: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣٦٠)، تفسير القرطبي (١٥/ ٨٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٥/ ٥٠٣)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٣٤١)، معاني القرآن للأخفش (٢/ ٤٥١). (٢) ذكره الزمخشري في الكشاف (٤/ ٤٤)، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٩٠).