قلت: لما كان المقصود بالإنذار الانكفاف والانزجار فإذا لم يحصل فكأنه لا إنذار، وإنما ينفع إنذارك من كان غير مطبوع على قلبه، وخاشيا ربه بالغيب ومنتفعا ب {الذِّكْرَ} أي: بالقرآن أو بالموعظة.
{نُحْيِ الْمَوْتى} حمل على الحقيقة. وقيل: يخرجهم من الكفر إلى الإيمان؛ فجعل المجاز في الإحياء والإماتة. {وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا} ما أسلفوا من أعمال صالحة، وما علموه من علم أو صنفوه من كتب أو حبسوه من حبس أو سيئة؛ كالظلامات التي أحدثها الظلمة، وتعليم الفاحشة والخنا، وغير ذلك، ومنه قوله تعالى:{يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ}(١) أي:
قدم من أعمال، وأخر من آثاره. وقيل: هي أثر المشي إلى المساجد، وأراد بعض الصحابة أن ينتقل إلى جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:" ابق على مسكنك؛ فإن خطواتكم إلى المساجد من آثاركم، وتلا:{إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا} الآية (٢). {فِي إِمامٍ} أي: في كتاب، وأراد بالكتاب: اللوح المحفوظ.
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً} أي: واجعل أصحاب القرية مثلا لهم، وهو كقولك: عندي ضرب من هذا المتاع، وضربت القصة خاتما، وضربت الطين لبنا.
و {الْقَرْيَةِ} أنطاكية، و {الْمُرْسَلُونَ} رسل عيسى عليه السلام، وبعثهم عيسى دعاة إلى الحق. {فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا} فقوينا {بِثالِثٍ} وهو شمعون الصّفا وكان عيسى قد بعث
(١) سورة القيامة، الآية (١٣). (٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٠٦٨) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم".