وأدخلوا حرف الاستفهام على الشخص، ولو كان الفعل منكرا لقال: أصددتم {بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ} و "إذ" ظرف لا يتصرف، ولا يخرج عن الظرفية، فكيف أضيفت إليه "بعد"؟ لكن قد اتسع في ظرف الزمان؛ كما أضيف إلى الجمل؛ كقوله: جئتك أيام الحجّاج أمير.
لما أنكر المستكبرون أنهم تسببوا في ضلال المستضعفين، ونسبوا ذلك إلى اختيار المستضعفين كرر عليهم المستضعفون بالرد وقالوا:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} أي: كنتم تأمروننا بالكفر الليل والنهار، ولولا ذلك ما حصل الضلال، وقوله:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} تقديره: بل مكركم في الليل والنهار؛ كقول الشاعر [من الرجز]:
يا سارق الليلة أهل الدّار (١) ...
وقيل: جعلوا الليل والنهار ماكرين مجازا؛ كما جعلوهما مهلكين في قوله:{وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ}(٢) فإن قلت: لم حذف حرف العطف من قوله: {قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا؟} قلت: لأنها مقاولة جرت، والمقاولة لا يدخل فيها حرف العطف؛ كقوله:{قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ} إلى آخر المقاولة (٣) وفي سورة الحجر: {قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} إلى آخر
(١) ينظر البيت بلا نسبة في: الأمالي لابن الشجري (٢/ ٥٧٧)، خزانة الأدب (٣/ ١٠٨)، شرح المفصل (٢/ ٤٥)، الكتاب لسيبويه (١/ ١٧٥)، المحتسب (٢/ ٤٩٥)، همع الهوامع (١/ ٢٠٣). والشاهد فيه: أن الظرف إذا توسع فيه يجوز حينئذ إضافته على طريق الفاعلية، وهنا الظرف "الليلة" متصرف، قد أضيف إليه "سارق" وهو وصف. قال سيبويه في الكتاب (١/ ١٧٦): "فإن نونت فقل: يا سارقا الليلة أهل الدار. كان حد الكلام أن يكون" أهل الدار " على" سارق "منصوبا، ويكون" الليلة "ظرفا؛ لأن هذا موضع انفصال، وإن شئت أجريته على الفعل على سعة الكلام". ثم قال: "ولا يجوز" يا سارق الليلة أهل الدار "إلا في شعر؛ كراهية أن يفصل بين الجار والمجرور". (٢) سورة الجاثية، الآية (٢٤). (٣) سورة الشعراء، الآية (٢٣).