إنما وحّد الضمير في قوله:{أَنْ يُرْضُوهُ} لأن رضا الله فيه رضا رسوله، ورضا رسوله فيه رضا الله. {مَنْ يُحادِدِ اللهَ} يكون في حد، والرسول صلّى الله عليه وسلم في حد آخر. {يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} توضح للناس ما أضمروه من النفاق، فكأنها تنبئهم بذلك، وسببه أن المريب خصم نفسه، وهو كقوله:{يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}(١) وقوله:
{اِسْتَهْزِؤُا} ليس طلبا للاستهزاء، وإنما هو تهديد؛ كقوله:{اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ}{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} اجتمع ناس من المنافقين ليلة العقبة فتحدثوا منفردين بأنفسهم فيما ينكرونه من أحوال النبي صلّى الله عليه وسلم وأحوال الصحابة رضي الله عنهم، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلم:"أما أنت يا فلان فقلت كذا، وأما أنت يا فلان فقلت كذا"، فقال بعض المؤمنين المخلصين: يا رسول الله مرنا فنضرب أعناقهم. فقال:"لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" وقالوا: يا رسول الله، إنما كنا نتحدث حديث الركب، ونقطع الطريق بأنواع الحديث، فنزلت {أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ} (٢) فجعل الاستهزاء بالدين كفر. {بَعْدَ إِيمانِكُمْ} بعد إظهاركم الإيمان. {إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ} بالتوحيد {نُعَذِّبْ طائِفَةً} مصرة على نفاقها. {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ}
(١) سورة المنافقون، الآية (٤). (٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص: ٢٥٦، ٢٥٥) رقم (٥١١ - ٥١٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٥٤) لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.