الرهق: غشيان المحارم، والمعنى: أن الإنس باستعاذتهم بهم زادوهم كفرا وكبرا، وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره، وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس، فذلك رهقهم. أو: فزاد الجن الإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم؛ لاستعاذتهم بهم. {وَأَنَّهُمْ} وأنّ الإنس {ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ} هو من كلام الجن يقوله بعضهم لبعض. وقيل: الاثنان من جملة الوحي، والضمير في {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا} للجن، والخطاب في "ظننتم" لكفار قريش.
اللمس: المس، فاستعير للطلب؛ لأن الماس طالب متعرف، يقال: لمسه والتمسه وتلمسه، كطلبه واطّلبه وتطلبه. {مِنَّا الصّالِحُونَ} الأبرار المتقون. {وَمِنّا} قوم {دُونَ ذلِكَ} محذوف الموصوف؛ كقوله:{وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ}(١). {كُنّا طَرائِقَ قِدَداً} أي: ذوي مذاهب مختلفة. أو كنا في اختلاف أقوالنا مثل الطرائق المختلفة. والقدة: فعلة من قطع.
{فِي الْأَرْضِ} و {هَرَباً} حالان، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض وهاربين. {لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى} القرآن فهو غير خائف، ولولا ذلك لقيل: فلا يخف، وفائدة العدول عن: لا يخف أنه يصير بتقدير ما ذكرناه أخيرا أن من يؤمن بربه فهو لا يخاف وهو حقيق بالأمن لا محالة.
{بَخْساً} أي: جزاء بخس أو رهق، ولا يخاف رهقا وفيه دليل على أن حق من آمن بالله (٣١٦ /أ) أن يجتنب المظالم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم"(٢).
(١) سورة الصافات، الآية (١٦٤). (٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٧٩)، والترمذي رقم (٢٦٢٧)، والنسائي (٨/ ١٠٤)، وابن حبان في صحيحه رقم (١٨٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٠) عن أبي هريرة رضي الله عنه.