فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي، ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا وما قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام؛ فنزلت (١). وقوله:{بِالْحَقِّ} أي: متلبسا به، وذلك ما فيه من التمييز بين المؤمنين والكافرين، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالا منها، ومعناه أنها لم تكن أضغاث أحلام، ويجوز أن تكون باء القسم، ويكون قوله:{بِالْحَقِّ} قسما، إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه. {لَتَدْخُلُنَّ} جوابه، وعلى الأول:
هو جواب قسم محذوف. فإن قيل: ما وجه دخول المشيئة في أخباره سبحانه، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلنا: فيه وجوه: أن تعلقه بالمشيئة تعليما لعباده، أو هو حكاية ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقص عليهم، أو أن يريد لتدخلن جميعا. {فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا} من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل. {مِنْ دُونِ ذلِكَ} أي: من دون فتح مكة. {فَتْحاً قَرِيباً} فتح خيبر.
{بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ} بدين الإسلام {لِيُظْهِرَهُ} ليعليه {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} يريد: الأديان المختلفة. وقيل: عند نزول عيسى. وقيل: الإظهار بالحجج والآيات. {وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً} على ما وعد.
{مُحَمَّدٌ} إما خبر مبتدأ محذوف، وإما مبتدأ و {رَسُولُ اللهِ} عطف بيان، وقرئ:"رسول الله" بالنصب (٢) على المدح. {سُجَّداً} أي: من آثار ما يفعله السجود (٢٦٨ /أ) في الجبهة. {ذلِكَ} الوصف {مَثَلُهُمْ} أي: العجيب الشأن في الكتابين جميعا {كَزَرْعٍ} يريد مثلهم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: {ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ} ثم ابتدأ: {وَمَثَلُهُمْ فِي}
(١) نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٣١٦) للبيهقي في دلائل النبوة في باب قصة الحديبية. (٢) تروى هذه القراءة عن ابن عامر. تنظر: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٠١)، الدر المصون للسمين الحلبي (٦/ ١٦٦)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٥٠).