وسار إلى سليمان (١) بن هود الجذامي وبقي عنده حتى مات في صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ودفن في ناحية لارده، وسكَنَ بها صوب سُحُبِهِ الراعدة، وماتت دولة بني أمية في الاندلس وسائر أقطار الأرض بموته، وخمد حسّها اسمه صوته، فسبحان الحي الباقي، وكل شيء هالك. الملك الدائم ملكه، بعد ذهاب ملكة الملوك والمالك ونعوذ به ونتوكل عليه، ونسأله من خير ما لديه انه لا حول ولا قوة لنا إلا به (٢).
وقال ابن بسام: وقد ذكر قصر مدة المستظهر عبد الرحمن الذي تقدم ذكره: لم ينشر له فيها طاعة، ولا تتامت جماعة، وكان على حدوث سنه ذكيًا يقظًا لبيبًا أديبًا حسن الكلام حاد القريحة، يتصرف فيما شاء من الخطاب بذهنه ورويته، ويصوغ قطعًا من الشعر مستجادة بطهارة أثواب وعفةٍ وبراءةٍ من شراب النبيذ سرًا وعلانية، وكان نسيج وحده، و به ختم فضل أهل بيته الناصريين.
ومن شعره:[من مجزوء الرمل]
طال عمر الليل عندي … مُذْ تولَّعتُ بصد
ياغزالًا نقض الود … ولم يوفِ بِعَهْدِ
أنسيت العهد إذ … بتناعلى مفرش وَرْدِ
واجتمعنا في وشاح … وانتظمنا نظم عِقْدِ
ونجوم الليل تحكي … ذهبًا في لا زِوَرْدِ
وقد تقدم (٣).
* * *
= أن لا يبقى أحد من بني امية بها. ولا يتركهم عنده أحد: فخرج أمية فيمن خرج وانقطع خبره مدة، ثم اراد العود البها فعاد طمعًا في ان يسكنها فأرسل إليه شيوخ فرطبة من منعه عنها، وقيل: قتل وغيب وذلك في جمادى الآخر سنة أربع وعشرين. (١) سلمان بن محمد بن هود بن عبد الله بن موسى مولى أبي عبد الله الجذامي، أبو ايوب مؤسس دولة آل هود، من ملوك الطوائف بالاندلس. كان مقيمًا في تطيلة. معدودًا من كبار الجند، فلما اضطرب امر الأمويين استولى عليها سنة ٤١٠ هـ، وتلقب بالمستعين بالله وملك لاردة ثم سرقسطة سنة ٤٣١ وانتقل إليه وانتظم له الامر، وضخم ملكه فقسم البلاد على أولاده الخمسة واستمر إلى أن مات سنة ٤٣٥ هـ. (٢) نهاية نسخة أيا صوفيا، وبعدها: «تم السفر الرابع والعشرون من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، بحمد الله وعونه ومنه، وهو المرجو في بدار كماله وإبدار هلاله، ويتلو في الذي يليه، وقد تقدم، الحمد لله وحده، وصلى الله على نبيه المصطفى من خلقه، سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا إلى يوم الدين، حسبنا الله ونعم الوكيل». (٣) نهاية نسخة أحمد الثالث. وهي بدون إشارة إلى انتهاء الجزء، واسم الناسخ وتأريخ النسخ.