الثغور المتغلبين فوافقوه. ورأوا رأيه وما وافقوه. كتبوا ببيعتهم إلى هشام بن محمد، وكان مقيمًا ببعض الثغور. منذ قتل أخوه الرضى. وقيل قد أغمد سيفه المنتضى. ثم أصفقَتْ أيدي الناس ببيعته، وصانَتْ عهده المحفوظ من ضيعته، ولقب أصفقت وكان أسن من أخيه المرتضى، وأشدَّ منه في كل مقتضى، فنهض إلى الثغور وطلع فيها نجمه لا يغور، وجرت له بها فِتَنْ عَقَدتَ بالسماء عنان عجاجتها، وعلقت في مجرى الأسماء بنان مجاجتها، وقوى هنالك هيج الاضطراب وأخذ موج السيوف في الضراب، ثم ساروا إلى قرطبة وسالوا في تلك الشعاب، سيلان جيش قحطبة (١) فأتاها مثل أوله ووافاها حالًا في صدر منزله، وأقام منذ بويع نحو خمسين سنة حتى خُلع رداؤه، وقطع عن مسامع المنابر نداؤه، وكان موجب النقمة عليه سوء تدبير وزيره ابي العاص بن سعيد (٢) لأنه أخذ أموال التجار وأعطاه البربر.
فنفرت خواطر أهل قرطبة لهذا وانكروه، ووضعوا عليه أناسًا قتلوه. ثم خلعوا هشامًا و نَبَذَ عهده فريق منهم، واتخذ عهده الوثيق ما رفعه قلم التكليف عنهم، وقام ابنه (٣) عبد الرحمن بن هشام في جماعة من الأحداث. فتسوروا القصر وعلوا شُرفاته، وتصوروا له أمرًا أدركه وفاته، وبايعه كثير من سواد الناس، ونهض بهم فما قام منهم جَسَدٌ بلا رأس، فقال له بعض أهل قرطبة نخشى عليك أن تقتل في هذه الفتنة، فإنّ السعادة قد ولت عنكم فقال: بايعوني اليوم واقتلوني غدا، فأنفذ أعيان قرطبة اليه وإلى ابنه المعتمد بالخروج عن قرطبة، فاودع المعتمد أهله وخرج إلى حصن ابن الشوب (٤)، فاعتقلوه ثم أخرجوه إلى حصن آخر فحبسوه
= كان من وزراء الدولة العامرية موصوفًا بالدهاء. توفي سنة ٤٣٥ هـ. انظر: المغرب ١/ ٥٦ والجذوة ص ١٧٦ والذخيرة مجلد ٢ و ١٨/ ١١٤ وابن خلدون ٤/ ١٥٩ والحلة السيراء ص ١٦٨ والكامل ٧/ ٢٩٠. (١) يريد بن قحطبة بن شبيب الطائي الذي قاد الجيوش من خراسان إلى العراق إبان انتصار الدعوة العباسية. (٢) كذا ورد اسمه في الاصل، وهو في كامل ابن الاثير/ ٧/ ٢٩٠: أبو عاصم سعيد القزاز قال فيه لم يكن له قديم رياسة، وكان يخالف الوزراء المتقدمين ويتسبب في اخذ اموال التجار وغيرهم. (٣) كذا في الأصل وفي الكامل ٢٩٠٧ أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر: وفي جذوة المقتبس ص ٢٥: ابو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر مع طائفة أراذل العوام، فقتل عبد الرحمن بن هشام. (٤) كذا في الأصل وفي الكامل ٢٩٠٧: وخرج إلى حصن محمد بن الشور بجبل قرطبة فبقي معه إلى أن غدر اهل الحصن بمحمد بن الشور، فقتلوه واخرجوا المعتمد إلى حصن آخر حبسوه فيه. وقد ذكر ابن الأثير فيما بعد من أخبار أمية: أنه اختفى بقرطبة: فنادى أهل قرطبة بالأسواق والأرباض. =