للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إذا ما رأوني طالعًا من ثنيّةٍ … يقولون مَنْ وقد عرفوني

يقولون لي أهلًا وسهلًا ومرحبًا … ولو ظفروابي ساعة قتلوني

ثم تمت له المبايعة، وانقادت له أهل قرطبة بأنفس طائعة، ونخوة أحماها ما كانت بالكف قانعة. وبالصغار تحت غطاء الذلّ مصانعة وقد حكى صاحب بلغة الظرفاء انه تلقب أولًا بالمستعين، ثم تلقب بالظافر بحول الله. وأنشد قول هارون الرشيد (١): [من الكامل]

ملك الثلاث الآنسات عناني … وحَلَلْنَ من قلبي بكل مكان

مالي تطاوعني البرية كلُّها … وأطيعهن وهن في عصياني

ما ذاك إلا أن سلطان الهوى … وبه قوين أعز من سلطاني

فقال سليمان المستعين:

عجبًا يهاب الليث حدّ سناني … وأهاب لحظ فواتر الأجفان

وأقارع الأهوال لا متهيبًا … منها سوى الإعراض والهجران

وتملكت نفسي ثلاث كالدمى … زُهْرُ الوجوه نواعم الأبدان

ككواكب الظلماء لحن لناظر … من فوق أغصان على كثبانِ

هذي الهلال وتلك بنت المشترى … حُسْنًا وهذي أخت غصن البان

حاكمت فيهنّ السُّلو إلى الصبا … فقضى لسلطان على سلطان

فأبحن من قلبي للحمى وثنينني … في عزّ (٢) ملكي كالأسير العاني

لا تعذلوا مَلِكًا تذلَّلَ في الهوى … ذُلُّ الهوى عن وملك ثاني (٣)

إن لم أطِع فيهنَّ سلطان الهوى … كلفًا بهنَّ فلستُ مِنْ مروان

قلت: وخلا المستعين هذا يومًا بلذاتِهِ، واقتصر على لذاته، وقد برز الجو في مُمْسِك طرازه قوس قزح، والنور قد قلّد جنده من لؤلؤ الطلّ سُبح، وقد مدّ الغمام ستارةً طرزت رفرفيها البروق وطرفت جانبي يومها كؤوس الصبوح والغبوق. ثم وافي الليل فَصَدَم جيشه كتائب تلك السحائب فمزقها، ولطم بحره أفواج تلك الأمواج


(١) الأبيات والخبر في جذوة المقتبس ص ٢١.
(٢) في الأصل: «عن» وما أثبتنا عن الجذوة.
(٣) بعده في الجذوة:
ماضر أني عبد هن صبابة … وبنو الزمان وهن عن عبداني

<<  <  ج: ص:  >  >>