للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومعدمًا في مثل ذي مال وجنود، بايَعَهُ الناس لما ولى أخوه يزيد بالعهد بعده، وعقدوا له عقدةً وما أحكموا شده، فلما مات يزيد جدّدت له بيعة ما تمت، وجندت له قلوب ما خصّت مولاتها ولا عنّت، وكان بدمشق، ما نفذ له أمر وراء سورها، بل ولا جاز فناء دورها، وكان يخاطب تارةً بالخلافة وتارة بالامارة، وهو كالبعير، لا عير لديه ولا نكير، ولا رمح ضرير ولا سيف شهير، ولا اتباع مأمور ولا متابعة أمير، وقد كان حين وثب أخوه على الوليد حصاة لا يستلينها نفس بازغ، لكنه مني بعوائق الخذلان، ورمي سوابق الخلان، خَذَله أصحابه، وهزله أربابه، فما هم بأمر فقدر عليه، ولا قهر سواه حتى وصل إليه، ولم تكن مبايعته إلا شقوةً طبع بطابعها، وهفوة ضربت عنقه بأسياف مطامعها، ودام ملك بني أمية على هذا الهوان حتى ملك مروان، ورفع بالسيف هذا العار، ونزع ما جلّلهم من شبه هذا الرداء المعار.

وقال البلاذري (١): قالوا بويع ابراهيم وهو المخلوع، وأمه ام ولد، بالخلافة في أول سنة سبع وعشرين ومائة (٢) بعد موت يزيد أخيه الناقص وكان نقش خاتمه إبراهيم يثق بالله، وكان مروان بن محمد بن مروان حين قتل الوليد قدم الجزيرة فدعا الى نفسه سرًا، وسمى الوليد الخليفة المظلوم وأظهر أنه يطلب بدمه، وقال: إنما قتلته قدرية غيلانية، فبايعه خلق من أهل الجزيرة، ثم ظهر أمره بعد بيعة إبراهيم بنحو شهر بحران، وقال: أمري شبيه بأمر معاوية حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، ثم انه سار بأهل الجزيرة وقنسرين وحمص يريد إبراهيم، وبعث الى الناس ان إنهضوا المحاربة هذا القدري أخي القدري الغيلاني المبتز لأمور الناس بالبدعة (٣) والضلالة فإن جهاده واجب على كل مسلم، فقد كنت على مجاهدة أخيه، فسبقني بهِ أجَلُه، فوجه إليه إبراهيم أخويه بشرًا ومسرورًا ابني الوليد، فأسرهما وفض عسكرهما، فوجه إليه ابراهيم سليمان (٤) بن هشام بن عبد الملك في خيول أهل دمشق، فالتقيا بعين الجر (٥) من البقاع من عمل بعلبك في صفر سنة سبع وعشرين، فتناوشوا يومهم،


= انظر: كامل ابن الاثير ٤/ ٢٧٨ وانساب الاشراف ٧/ ٥٤٨.
(١) انساب الاشراف ٧/ ٥٤٨.
(٢) في الطبري ٧/ ٢٩٨: انه بويع بعد وفاة يزيد في ذي الحجة سنة ١٢٦ هـ ثم خلع في شهر ربيع الآخر من سنة ١٢٦ هـ.
(٣) في انساب الاشراف: الآمر بالبدعة والضلالة والمؤلف ينقل عنه.
(٤) في الاصل: فوجه إليه ابراهيم بن سليمان، والتصويب عن انساب الاشراف.
(٥) عين الجر، موضع معروف بالبقاع بين بعلبك ودمشق (ياقوت - عين الجر).

<<  <  ج: ص:  >  >>