للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مَنْ يشتري منّي جميع فضلي

بساعة من عيش أهل الجهل

كنتُ أرى العقل نَفَاقَ مثلي

حتى غدوتُ كاسدًا بعقلي

يسير بالوفود إلى البيت العتيق، ويعود وبين مسراه وتأويبه غنى كل فريق، ومني كل رائد تسرج سوامه جنبات الطريق، يبني بكل عالية البقاع قبابه، ويتوح في كل مشرفة اليفاع ركابه، والجنائب بين يديه تقاد، والأعلام الخضر على رأسه منشورة إلا ما غلبت عليه في الوسط وجوه السواد، وهو العلم الخليفتي الساري بخفارته الركب السائر سائر الحجيج، مؤملًا كرمه السكب مظهرًا هنالك ما يكاتمه مصدرًا أوامره والكتب كتبه والخاتم خاتمه متعهدًا أرضًا له بها علائق وجد ومواريث أب وجد، ومربى صبا منشاؤه أما تهامة أو نجد يلذ من ماء وجرة نهلة بفمه، ويستطب من أرواح نعمان نسمة لسقمه، ويشتم ينجد شيحة حاجرية فيفرشها حدّه، ويشيم بارق النقي فيذكر عهده، وبان لشر قلب أرثت الذكرى وقده، ونحن فنشرب دمعه ولا العذيب ولا برده، ويتعرض له رسل الشوق والركب هاجد فيوقظه من بين نوامهم وحده، ويستبعد المدى فيتمنى في وهدة من الأجارع رقده، يبكي بالعراق نهاره كله على ليل تهامة، ويتطلب الكرى لعل له في الطيف إلمامة، يهوي ترابها لا لحبيب، ويكثر تذكرها لا لحاجة إلا أن أشعاره عليها نسيب، كأن لقبله الموجع وصدره النافث بما ينفث به المصدوع يصرف همومه في شعره تارةً بتشبب بك به بغر دموع، وتارة برثاء يوقد النار إلا أنها مما تجنّ الضلوع وماذلك كله منه لحب غانية فتنته، ولا لدفين دفنه إلا ما كتمته جوانحه وأكنته، من أمنية بطلب الخلافة لم تطل إليها يده، ولم يطق يجرع الصبر عليها جلده، ولو كانت له ولأهل بيته، ما عهدت محلها، وكانوا أحق بها وأهلها؛ ولكنه علم سبق ووعد صدق.

وقد كنت أخترت شعره في عنفوان الصبا، وقلت في أوله: أما بعد حمد الله مختار الرضي، والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد القمر المضي، وعلى آله وصحبه ذوي النسب الوضي؛ فلما كان شعر الشريف الرضي في الذروة والسنام، وهو من الشعر حيث هم من الإسلام، اخترت منه ومن أخصب تخيَّر، وما محاسن شيء كله حسن … ...

ومنه قوله في البرق (١): [من الوافر]

ألمَّ بِنا كنبضِ العِرْقِ وَهْنًا … فلمَّا جَاءَنا ملأ السماء


(١) من قصيدة قوامها ٤٤ بيتًا في ديوانه ١/ ١٨ - ٢١.

<<  <  ج: ص:  >  >>