للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والعيون، ولا تزال الخلفاء تخاف وثوبه، وهمت باقامته بنو بويه وكاد أمره يتم لولا معاجلة الأقدار الصابي الكاتب بنكبته وحط رتبته فإنه كان الساعي له عندهم، والداعي الوضي، كوكب ذلك الأفق، ومطلب تلك الطرق، وخلوق ذلك إليه أشياع قلوبهم.

وكانت نفسه تحدثه بمعالي الأمور، وفي ذلك يقول (١): [من مجزوء الرمل]

اشتر العِزَّ بما شئـ … ـتَ فما العِزُّ بغالي

ليس بالمغبون عقلًا … مَنْ شرى عزًّا بمال

وكان إليه نقابة الطالبيين. وكان ينصب إليه كرسي في مجلس الخليفة إذا حضره والخلفاء تراه بعين التعظيم، وتراه متطلبًا للأمر.

وجلس مرة في مجلس الطائع فشم لحيته، فقال له الطائع: أتشتم منها رائحة الخلافة؟ فقال: لا، ولكن رائحة النبوة؛ فعزَّ عليه هذا وعظم لديه، وزوى عنه جانبًا من وجهه فلم تَلِن له حصاة الرضي ولا جزع، ثم دخل بينهما الناس بما عاد له وجه رضاه، ثم مدحه الرضي بقصيدة قال فيها (٢): [من الكامل]

مهلًا أمير المؤمنين فإننا … في دوحة العلياء لا نتفرق

ما بيننا يومَ الفخار تفاوت .... أبدًا كلانا في السيادة مُعْرِقُ

إلا الخلافة ميزتك فإنني … أنا عاطل منها وأنت مطوق

وكان إليه النظر في المظالم، وإمرة الموسم، فتخطى النظراء ووطأهم بميسم، وعدى الأكفاء وهو مفتر المبسم، ساد بغير مشقة، وسار ذكره وما طوى للبيداء شقه؛ بل ورث السؤدد عن آبائه، وبعث هممه حتى شد بالفرقد طنب خبائه.

وكان في نقابة الطالبيين قطب دائرتهم، وخطب نائرتهم، وخطيب مجامعهم إذا حضر يتكلم وهم سكوت ويتقدم وأجرأ من فيهم لو نظر إليه شزرًا كاد يموت.

وله في النظر بالمظالم ما كشط بصباح العدل غياهبها، وكشف من دفاتر الأيام معايبها، وكشر بقلم تواقيعه بابًا فرض نوائبها. وكان في أمرة الموسم مأوى الطارق، ومثوى الجود الذي يشغل يد السارق.

وكان لا يزال محسودًا على فضله مقلّصًا فضفاض ظلّه لا يغيض له إناء الرزق، ولا يكف عنه غرب اللسان منغصًا عليه العيش منكدًا طول العمر. وكان لا يستروح إلا أيام الحجيج، ومع هذا تشغل عليه العيون، وتذكى عليه الحرين، ويخاف منه أن يفرّ إلى مصر لمكان الفاطميين منها، ودليل على جملة حاله قوله (٣): [من الرجز]


(١) من قطعة قوامها ٣ أبيات في ديوانه ٢/ ٢٤٤.
(٢) قصيدة قوامها ٥٣ بيتًا في ديوانه ٢/ ٣٩ - ٤٢.
(٣) من قطعة قوامها ٧ أسطر في ديوانه ٢/ ٢٥٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>