للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيه (١): [من الطويل]

لقد بث عبد الله جند انتقامه … على الليل حتى ما تدبُّ عقاربة

ولما فتح مصر وحَلَّ تاجها، وداوى علتها فأحسن علاجها، سلّم إليه المأمون أمرها وسوّغه خراجها، فصعد المنبر صعود من برّ وقام مقامًا يخرس فيه النطق، وتتخلى عن الفرسان من هيبته النُّطق. وَهَب فكفى، وهبَّ فشفى، وتخيل نفسه نيلًا ففاض للناس على غير قياس، ولم ينزل حتى أجاز ثلاثة آلاف دينار كرمًا لا تدعيه السحب ولا تعد مثله البحار، واستدان في مقامه ذاك عشرة آلاف دينارًا أخرى أطلقها هناك. وأما الشجاعة فإنه مثير نقعها، ومنير دجاه بمحيّاه، وبهجته وسيوفه ولمعها، وله في الأدب وإجادته ماله في الكرم وإفادته، وإن ملكًا ينهب النفوس ويهبها، ويخوض الحرب يباشر عنان السماء تلهبها، ولا يترك خطه من معنى يهيجه، ولفظ يحسن في النظر تدبيجه لصاحب همة لو شاء لاستخرجت الدرر من أصدافها، ويد لو نأت عنها الدراري لتناولتها من أسدافها، وقد ذكر له ابن سعيد في السواك أبياتًا أطيب بإيرادها قلمي وفاك، وهي (٢): [من الكامل]

وإذا سألتُك رَشْفَ ريقك قلت لي: … أخشى عقوبة مالك الأملاك

ماذا عليك دفنت قبلك في الثَّرَى … مِنْ أن أكون خليفة المسواك

أيجوز عندك أن يكونَ مُتَيَّمًا … كَلِفٌ بحبِّك دونَ عُوْدِ أراكِ

ذكر الخطيب أبو بكر: أن عبد الله بن طاهر جلس يومًا بخراسان فأنصف فيه من القواد ووجوه الأجناد، ونظر في قصص المظالم، وضرب الأعناق وقطع الأيدي والأرجل، وترد البرد وعقد العقود، وجيش الجيوش، فلما زالت الشمس دخل داره.

قال الجلودي: وكنت أدل عليه فتلقاه الخدم فأخذ كل واحد منه شيئًا حتى بقي بغلالة وسراويل فرفع الغلالة على كتفه وهو يقول: [من … .. ]

البشر مِسك والوجوه دنانير … وأطراف الأكفّ عَنَم

قال: فأغطت عليه ونزعت ثوبه على كتفه … إلى حاله، وقلت: يجلس اليوم مجلس الإسكندر ودار ابن دارا، ويفعل الساعة فعل علوية ومخارق فنظر إلي نظر الجمل الصؤول، وردّ ثوبه إلى كتفه وأنشأ يقول: [من البسيط]


(١) البيت في ديوان أبي تمام ص ٨٩ - ٩٤ من قصيدة قوامها ٤٤ بيتًا.
(٢) المرقصات والمطربات ص ٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>